تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩

وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} يعني في السماء ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ أَنظِرْنِي﴾ أي أخِّرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة ص: 81] أي إلى النفخة الأولى. وأما قوله ها هنا: ﴿إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ﴾ ففيها إضمار: إلى يوم الوقت المعلوم.

﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ أي: فبما أضللتني. وقال الحسن: فبما لعنتني ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ أي: فأصدّهم عنه.

ذكروا عن الحسن قال: ليس من هذا الخلق شيء إلا وقد توجه حيث وجه. ولولا أن ابن آدم قعد له على الطريق، أي الشيطان، فيخبل له حتى عدله، مضى كما مضى سائر الخلق. يعني أن بني آدم ابتلوا بما لم يُبتل به غيرهم من الخلق.

(1/ 404)

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)

قوله: ﴿ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾ من حيث لا يشعرون ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ أي مؤمنين.

أما قوله: ﴿مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فمن قِبَلِ الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث بعد الموت ولا جنة ولا نار. وأما قوله: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فمن أمر دنياهم [فازينُها في أعينهم وأخبرهم] أنه لا حساب عليهم في الآخرة فيما صنعوا في الدنيا، لأنهم إذا كانوا في الآخرة كانت الدنيا خلفهم. كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: 255] من أمر الدنيا إذا كانت الآخرة. وقوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فأثبطهم عن الخير، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: 28] أي من قِبَل الخير فتثبِطوننا عنه. وأما ﴿عَن شَمَائِلِهِمْ﴾ فيعني من قبل المعاصي. يأمرهم بمعصية الله. ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ أي مؤمنين. وكان ذلك ظناً منه، فكان

٥٨٩ / ٢٬٠٨٣