الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠الأمر على ما ظن. كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: 20] أي إلا الفريق الذين آمنوا.
(1/ 405)
قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)
قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً﴾ قال الحسن: مذموماً. وقال مجاهد: منفياً. قوله: ﴿مَّدْحُوراً﴾. قال مجاهد: مطروداً منفياً. وقال بعضهم: مباعداً. وقال بعضهم: مقصياً. وقال بعضهم: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً﴾ أي: مقيتاً منفياً. وتفسير مجاهد فيها على التقديم: اخرج منها مطروداً منفياً. قال: ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قوله: ﴿وَيَاءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي لأنفسكما بخطيئتكما.
ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الشجرة التي نهى عنها آدم وحواء هي السنبلة التي فيها رزق ابن آدم. وقال بعضهم: هي التين. قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا﴾ وكانا كسيا الظفر، فلما أكلا الشجرة بدت لهما سوءاتهما.
ذكروا عن الحسن عن أبي كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان آدم طوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع فيه بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً في الجنة، فأخذت شجرة من شجر الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: أَمِنِّي تفرّ؟ قال: يا رب إني استحييتك.
قوله: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ أي من الملائكة ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ﴾ أي من الذين لا يموتون. أي إنكما إذا أكلتما من الشجرة كنتما مَلَكين من ملائكة الله.
(1/ 406)
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ بالله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. قال: [بعضهم]: حلف لهما بالله وقال لهما: خُلِقْتُ قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما. قال: إنما يخدع المؤمن بالله. قال الله: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ وقد فسّرناه قبل هذا الموضع.
قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ﴾ ذكروا أن مجاهدا قال: يرقِّعان كهيئة الثوب. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي بيِّن العداوة.
﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾.
﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ آدم معه حواء وإبليس والحية التي دخل فيها إبليس فكلمهما فيها، فهي لا تقدر على ابن آدم في موضع إلا لدغته، ولا يقدر عليها في موضع إلا شدخها.