الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٧يقول: حافرة، أي حفرت عن ذنوب القوم، يعني المنافقين. وقال بعضهم: كانت هذه السورة تسمى فاضحة المنافقين؛ لأنها أنبأت بمقالتهم وأعمالهم. وقال الحسن: كانت تسمى حافرة، أنبأت بما في قلوب المنافقين.
﴿قُلِ اسْتَهْزِءُوا﴾ أي بمحمد وأصحابه، وهو وعيد هَوْلُه شديد. كقوله: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] وهو وعيد. ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أي: ما أكننتم في قلوبكم من النفاق فمخرجه، فذاكره عنكم.
وأما قوله: ﴿اسْتَهْزِءُوا﴾ فهو جواب من الله لقولهم. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني كفار المشركين ﴿قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي في المودة ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: 14]. أي إنما نحن مخادعون. والاستهزاء في هذا الموضع إنما هو الخداع. ألا تراه يرد عليهم جوابهم: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15] أي يخدعهم في الآخرة كما خدعوه في الدنيا.
وقد أوضح ما تأولنا عليه الآية في النساء فقال: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] يخادعونه بما أظهروا من التوحيد والإِقرار، وليس من شأنهم الوفاء بالأعمال. وهو خادعهم إذ جعل مساقهم مع المؤمنين. وبيان خدعه إياهم في سورة الحديد. وسنذكر ذلك أيضاً في سورة الحديد إذا أتينا عليه، كيف خدعهم الله عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين إذ طمعوا أن يكونوا من المؤمنين، إذ سبقوا في زمرتهم بالنور القليل الذي كان معهم، وبه ناكحوا المسلمين ووارثوهم. فَطفِىءَ نور المنافقين، ومضى نور المؤمنين من بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. وسنأتي على بقيّة ما بقي من هذا في سورة الحديد إذا نحن بلغناها إن شاء الله.
(2/ 28)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)
قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
قال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك، بينما هو يسير إذا برهط أربعة يسيرون بين يديه وهم يضحكون. فنزل جبريل على النبي عليه السلام