تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٦

الكفر. وهذا وعيد ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. على ناحيتي، أي: على ديني ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وليس يأمرهم أن يثبتوا على دينهم، ولكن يخوفهم أنهم إن ثبتوا على دينهم جاءهم العذاب.

قال: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدنيا قبل عذاب الآخرة. ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي: سيعلمون إذا جاءهم العذاب من الكاذب. ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ كقوله: ﴿فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: 71].

(2/ 117)

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)

قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: بالعذاب ﴿نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي: موتى قد هلكوا.

قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كان لم يعيشوا فيها ﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بآيَاتِنَا﴾ أي: بآياتنا التي تدل على صحة نبوته. ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بحجة بينة. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ﴾ أي: وقومه. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾. قال الحسن: يكون قائدهم إلى النار حتى يدخلها معه قومه.

قال: ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾. أي: النار.

﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾ أي: في الدنيا ﴿لَعْنَةً﴾ [يَعني العذاب الذي عذّبهم به من الغرق] ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ﴾ أي: واتبعوا يوم القيامة لعنة. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾. قال بعضهم: ترادفت عليه لعنتان: لعنة بعد لعنة، لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة.

(2/ 118)

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)

قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى﴾ أي: من أخبار القرى، أي: الأمم السالفة. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ يا محمد؛ يعني ما قص من أخبارهم إلى هذا الموضع ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ أي: تراه، وقد هلك أهله ﴿وَ﴾ منها ﴿حَصِيدٌ﴾ لا تراه. وقال بعضهم: منها قائم ترى مكانه، وحصيد لا ترى له أثراً.

قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ وهو كقوله: ﴿وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: 76] أي: لأنفسهم، وكقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44].

قوله: ﴿فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ مِن شَيْءٍ﴾. يعني الأوثان التي كانوا يعبدونها. ﴿لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يعني العذاب. ﴿وَمَا زَادُوهُمْ﴾ أي تلك الأوثان في عبادتهم ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي: غير تخسير. وقال الحسن: غير تدمير.

٨٢٦ / ٢٬٠٨٣