تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٨٣

وبلغنا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء في السجن، فقال له يوسف: أيها الملك الطاهر المطهَّر، الكريم على الله، ما أدخلك هذا المكان الرجس النجس مع القوم الظلمة. قال جبريل: إن المكان الذي تكون فيه ليس بنجس. فقال له يوسف: أيها الملك الكريم على الله، أخبرني ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال: وجد سبعين ثكلى. قال: فما بلغ منه؟ قال: ذهب بصره. قال فما بلغ أجره؟ قال: على قدر ذلك.

وذكر بعضهم أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له يعقوب: أيها الملك الكريم على ربه، أسألك بعظمة إلاهك وجبروته هل قبضت روح يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ فقال: لا والله ما قبضت روحه وإنه لحي كما أنك حي.

(2/ 152)

قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)

قوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ وهو قسم ﴿تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تزال تذكر يوسف ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ أي: حتى تبلى ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ﴾ أي: أو تموت. وقال مجاهد: ﴿تَفْتَؤُا﴾ أي: لا تفتأ، أي: لا تفتر عن ذكر يوسف أو تكون من الميتين.

﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي﴾ أي: هَمِّي ﴿وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. قال الحسن: أي: أعلم أن يوسف حي.

ذكر بعضهم قال: إنه لم ينزل بيعقوب بلاء قط إلا أتى حسن ظنه بالله من ورائه.

(2/ 153)

يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)

قوله: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [اي: تَبَحَّثُوا عن خبرهما] ﴿وَلاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ﴾ أي: من رحمته ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾.

قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي: فلما رجعوا إلى مصر، فدخلوا على يوسف وهم لا يعرفونه ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا العَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي: الحاجة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ أي: يسيرة، في تفسير بعضهم. وقال الحسن: خفيفة قليلة. وقال مجاهد: قليلة. وقال بعضهم بدارهم ردية، وكانوا لا يأخذون في الطعام إلا الجياد.

قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: بضاعتنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: بأخينا. ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾.

﴿قَالَ: هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ أي: إن ذلك كان منكم بجهالة، ولم يكونوا حين ألقوه في الجب بأنبياء.

﴿قَالُوا: أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ﴾ على الاستفهام ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾.

٨٦٣ / ٢٬٠٨٣