مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

واذكر يا مُحَمَّد في كتابنا مريم، هذه المرأة المصطفاة التي نشأت في بيت طاهر، واصطفى الله أهله على العالمين، كما اصطفى من قبل آل إبراهيم، نشأت في بيتها طاهرة وفي بيت المقدس، ذلك أن أمها نذرتها لله، لعبادته وخدمة بيته، ﴿إذ قال امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾ (آل عمران:35)، نذرت امرأة عمران ما في بطنها لله ولخدمة بيته، وكانت ترجو أن يكون المولود ذكرًا كي يصلح لخدمة البيت، ولكن الله شاء أن يكون أنثى، ويتقبلها بقبول حسن، وينبتها نباتًا حسنًا يحفها بعنايته ولُطفه وأرزاقه، فنشأت في هذا الجو القدسي نشأة صالحة زكية، وأعاذها الله وذريتَها من الشيطان الرجيم، استجابة لدعوات أمها، والتعبير بالإنبات: تعبيرٌ فيه ما فيه من الروعة والبلاغة، لا سيما وقد وُصِف بالحُسن، فهو يوحي بعناية الله البالغة، وألطافه المتصلة التي لا تنفك عن مريم لحظة من اللحظات، وهي تنمو نمو النبات الحسن.

لقد كانت العناية من قبل الله تتولى كل شأن من شؤون مريم وإن كانت الكفالة الظاهرية من زَكَرِيَّاء، فقد ألقى الله القبول في قلوب ذويها فتنافسوا في كفالتها، واقترعوا بالأقلام يُلقونَها في نهر من ماء أيُّهم يكفل مريم، فجرف الماء أقلامهم إلاَّ قلم زَكَرِيَّاء فإنه جرى على عكس اتجاه الماء، وتلك إشارة من الله أنه هو الذي يكفل مريم، وهو زوج خالتها، وقيل هي أختها، فكفل هذا النبي الصالح القائم بالتوراة هذه العذراء البتول، ورأى عندها من الكرامات الربانية ما رأى، كان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، قيل كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيتعجب ويسأل: أنَّى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، إنَّ الله يرزق من يشاء بغير حساب، ويبدو أن هذا الرزق يتجدد ويتنوع؛ لأن التعبير بالنكرة بعد: "كلما"، يدل على ذلك، ولأنه لو كان نوعًا واحدًا لظنه بقية الأول.

١٦٠ / ٤٥٣