مع كلام رب العالمين 02
الجزء ١ · صفحة ١٧لعل ما يساعد على تدبر القرآن تدبرًا صحيحًا سليمًا تفسير القرآن بالقرآن، وذلك بضم الآيات والنصوص بعضها إلى بعض حتى يتكامل الفهم والتأمل، فإن ما أجمل في موضع فُصِّل في موضع، وما أبهم في مكان بُيِّن في مكان آخر، وما أطلق هنا قُيِّد هناك، وهذا المنهج في التفسير هو الذي شاع الآن بين العلماء المعاصرين، إذ يطلقون عليه (التفسير الموضوعي) للتفريق بينه وبين التفسير الموضِعي، فهذا نسبة إلى الموضع وذاك إلى الموضوع والفرق بينهما واضح، وهو منهج بدأه الرسول الكريم ح(1) وطبَّقه الصحابة (رضوان الله عليهم) مثل: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وقد طبقه من العلماء المعاصرين الشيخ محمد متولي الشعراوي، والدكتور فاضل صالح السامرائي، وعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، ومن علمائنا شيخنا إبراهيم بيوض (رحمه الله) الذي اختاره منهجا في تفسيره لكتاب الله.
وهذا هو المنهج الأمثل الذي اختاره الشيخ القرضاوي(2).
ذلك أنَّ الآية قد تبدو غامضة أحيانا إذا سلكنا إلى تفسيرها بطريقة مجتزأة، مقتصرين عليها وحدها وكأنها غير مرتبطة بما سبقتها وما لحقتها.
وما زال العلماء يكتشفون كل يوم الإعجاز الباهر في هذا الكتاب بمختلف أوجه إعجازه التشريعي، والعلمي، والبياني، والرقمي.
فلو أخذنا كمثال لتطبيق هذا المنهج السياقي التكاملي؛ سورة الفاتحة التي هي أم الكتاب لرأينا عجبا.
(1) - عندما نزلت آية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام: 82)، احتار الصحابة في تفسيرها وقالوا: وأي منا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ قال: ليس ذاك كما فهمتم، ولكن الظلم الشرك بالله، اقرؤوا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)﴾ (لقمان: 13)، وهكذا فسر الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن بالقرآن.
(2) - يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن، ص: 220.