مع كلام رب العالمين (الجزء الثاني) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 02

الجزء ١ · صفحة ٤

إنَّ القرآن يُخاطِب الناس جميعا، وفي كل عصر يخاطب ساكن الغابة، وساكن الصحراء، كما يُخاطِب ساكن المدنية ورائد البحار، وهو يخاطب الأمي الذي لم يقرأ ولم يخط حرفا، كما يخاطب العالم الفلكي، والعالم الطبيعي، والعالم النظري سواء، ولكل واحد من هؤلاء يجد في القرآن ما يصله بهذا الكون وما يحفز في قلبه التأمل والاستجابة والتلقي(1).

ولنا أن نتساءل:

يا ترى لماذا شبه الرسول ح كتاب الله بالمأدبة؟

ذلك أنَّ المأدبة عادة ما تكون احتفاء من المُؤْدِب والمُؤْدَب معا، وهي دليل على الكرم والأريحية والسماحة من العبد وربه معا، هذا بدعوته وذاك بتلبيته، ومن أولى بالاتصاف بهذه الأوصاف من الرحمن وعِبَاد الرحمن؟

وعندئذ فإنَّ كل مُلبٍّ لدعوة الله يُحصِّل من المأدبة حسب حاجته، فهناك من يأكل إلى حد الشبع، وهناك من ينتقي من المأدبة ما يلائم حاجته وبغيته، وهناك من يكتفي بلون واحد منها ِلعلَّة فيه، وهناك أيضا من يشم ريحها وينصرف محروما من خيرها.

ومن رحمته تعالى أن لم يحرم من أجر القرآن كل من اقترب منه قراءةً أو سماعًا أو تأملًا أو تفكرًا أو تدبرًا، فكل يغرف من فيوضاته حسب اجتهاده. يقول الرسول ح: «كل مُؤْدِب يحب أن تُؤْتى مأدبته، ومأدبة الله القرآن فلا تهجروه»(2).

بل إن من رحمته أن لم يحرم من هذا الأجر أي مؤمن على تباين في مستوياتهم الفكرية والمعرفية.

فالعجوز التي لم تحظ من التعلم بشيء لا تُحرَم من أجر قراءة القرآن مهما كانت درجة فهمها واستيعابها، بل إنَّ الأعجمي الذي لا يفهم لفظة واحدة من اللغة العربية لعدم تعلمه إياها يستطيع حفظ القرآن كله على ظهر قلب في شهور معدودة، وهو مأجور على ذلك، وهي خاصية لم يعطها أي نص آخر، ألا يدل هذا على إحدى معجزات كلام رب العالمين سبحانه؟

1 - استشعار قدسية كلام الله رب العالمين.

(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، ج 29، ص: 187.

(2) - رياض الصالحين، ص: 326.

٤ / ١٥٦