أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي
الجزء ١ · صفحة ١٣الإسلاميَّة، لتتفنَّن بشتَّى وسائل التعذيب والقتل والتدمير. وما ذاك إلاَّ بالبعد عن المنهج الربَّانيِّ القطعيِّ. مع أنَّ ديننا هو الإسلام، وهو من اشتقاقات كلمة «سلم»، وتحيَّتنا السلام، وسمَّانا أبونا إبراهيم مسلمين!.
2 - توظيف أسماء الذمِّ على المخالفين:
كثيرا ما تطلق كلُّ فرقة من المسلمين شرَّ الأوصاف وأقبحها على مخالفيها(1)، وقد يكونون من نفس المدرسة(2)، وأحيانا دون تثبُّت أو مناقشة. قال حجَّة الإسلام أبو حامد الغزالي: «واعلم أَنَّ للفرق في التكفير مبالغات وتعصُّبات، فربَّما انتهى بعض الطوائف إلى تكفير كُلِّ فرقة سوى الفرقة التي يعتزي إليها»(3).
يُلاحَظ لدى أغلب الفرق الإسلاميَّة أَنَّ المسألة الكلاميَّة التي تختلف عن رأي المذهب (أيِّ مذهبٍ) إذا قال بها أحد علماء المذهب حاولنا أن نوجد لها مبرِّرات ترفع عنه حكم التكفير، وأمَّا إن جاء بها المخالف اعتبرناها مسألة قطعيَّة (مسألة دين لا مسألة رأي) لا يجوز الخلاف فيها، وقطعنا فيها عذره. وأَنَّ النقاش إذا كان ردًّا على أحد المخالفين كان الأسلوب عنيفا، ولا مكان فيه لحسن الظنِّ بالآخر إلاَّ قليلا، أمَّا إذا كان النقاش ردًّا على أحد علماء المذهب كان أسلوب الحوار أرفق، والتماس الأعذار فيه أسبق.
وهذا ما يعتب عليه الإمام أبو حامد الغزالي بكلام في غاية الأهمِّيَّة، إذ قال فيما معناه: إذا كانت مخالفة الإمام الأشعريِّ كفرا، فقد خالفه الباقلاَّنيُّ في بعض المسائل الكلاميَّة(4)، فإن شُدِّد عَلَيْهِ ووُسم بالكفر، فلِم كان أولى بالكفر من الأشعريِّ، أَلِمُجرَّد السبق الزمنيِّ، فإن كان السبق مقياسا فقد سبق المعتزلةُ الأشعريَّ فلِمَ لَمْ يكونوا أَوْلى بالحقِّ منه؟ وإن رُخِّص في الخلاف للباقلاَّنيِّ فلِم يُحجَر على غيره؟ ولِمَ يَتعسَّف بعض المتعصِّبين في تبرير آرائه، ويعدُّونها من قبيل الخلاف اللفظيِّ، بينما يشدِّدون على المعتزلة في خلافهم للأشاعرة؟(5).
وإذا كان هذا الطرح الراقي من الإمام الغزالي في حقِّ أهل السُّنَّة فحسب، فنحن نعمِّمه على سائر الفرق الإسلاميَّة. وقد سبَقَنَا الشيخُ البستي الزيدي إلى هذا التعميم، وإلى التماس الأعذار للفرق، فأغلب كتابه اعتذارات لمقالات الإسلاميِّين، ليصل في النهاية إلى أَنَّهَا لا تستلزم التكفير ولا التفسيق، واستوى في نقده للمكفِّرين والمفسِّقين السُّنِّيُّ والمعتزليُّ والشيعيُّ على حدٍّ سواء(6)، بأسلوب جدليٍّ رصين، ولكنَّ صوت أمثاله غير مسموع في أغلب التراث الإسلاميِّ مع الأسف!.
نودُّ لو أَنَّ المسلمين جميعا نظروا إلى علماء مخالفيهم مثلما ينظرون إلى علماء مذهبهم، بتقمُّص شَخصِيَّة
(1) مثال ذلكَ أنَّ المعتزلة أُطلقت عليهم تسمية: القدريَّة، والثنويَّة والمجوسيَّة، والمعطِّلة. ينظر: زهدي جار الله: المعتزلة، ص6 - 11.
(2) ينظر نماذج من تكفير الزيديَّة لبعض فرق الشيعة الغالية: البستي الزيدي: البحث عن أَدِلَّة التكفير، ص162 - 164.
(3) الاقتصاد في الاعتقاد، ص133. وينظر: محمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص59.
(4) ذكر الغزالي منها: أَنَّ صفة البقاء في حقِّ الله تعالى ليست وصفا زائدًا على الذات. ينظر: فيصل التفرقة، ص24. ولم نعثر على هذه الفكرة في كتاب التمهيد للباقلاني، لاسيما عند حديثه عن صفة البقاء الذَّاتِيَّة لله تعالى، ينظر: التمهيد، ص299 - 300.
(5) ينظر: فيصل التفرقة، ص24 - 25.
(6) ينظر: البحث عن أَدِلَّة التكفير، في معظم الكتاب، ولاسيما نقده للشيعة، على سبيل المثال: من ص162 إلى آخر الكتاب ص231.