أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى للشريعة الإسلامية مصطفى بن محمد شريفي

أسماء الذم بين مقصد حفظ الدين وحفظ سائر الكليات الأخرى لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٤

المخالف، وبإيراد الآراء في سياقها الخطابيِّ، وعدم بترها، وبالنظر إليهَا نظرةً أشمل وأعدل ضمن منظومتها الفكريَّة، وبالتماس الأعذار مثلما يلتمسونها لأتباعهم؛ إذن لتجنَّبنا كثيرا من الانزلاقات والصدامات، وتبادل الاتِّهامات!.

3 - درء أسماء الذم الاجتهاديَّة بالشبهات:

نبَّه جمال الدين القاسميُّ إلى مفارقة قد يتعجَّب منها كُلُّ متأمِّل، وهي أَنَّ الغلاة قد يهتمُّون بالخلافيَّات الفرعيَّة، فيضخِّمونها، ولا يدرؤون عن المخالفِ فيها حُكمَ التكفير أو القتل لوجود الشبهة، فقال: « … مع أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، ونعني بالحدود ما نُصَّ عليه في الكتاب العزيز والسنَّةِ الغرَّاءِ، فإذا كانت في تلك المكانة وقد شرع فيها محاولة درئها بالشبهات، فكيف بحدود لا سند لها إلاَّ الاجتهاد، وليس لها أصلٌ قاطعٌ، ولا نصٌّ محكمٌ، فلا ريب أنَّها أولى بالدرء، وأجدر بالدفع، ولا يدري المرء ما الذي حملهم على نسيان هذه الموعظة حتَّى عكسوا القضيَّة، وأصبحوا يُكبِّرون الصغير، ويعظِّمون الحقير، ويهوِّلون الأمور، ويدعون بالويل والثبور، مِمَّا لا يقومون بِعُشُرِه للمنكرات المجمَع عليها، والكبائرِ التي يُجَاهَرُ بها، فلا حول ولا قُوَّة إِلاَّ بالله!»(1).

4 - دور السياسة والإعلام في نشر الفكر التكفيريِّ بين فرق الأُمَّة:

لنفترض أَنَّ الدولة العبَّاسيَّة لم تفرض على الناس اعتقاد خلق القرآن، ولم يكتوِ الإمام أحمد بنارها، ولم يتعاطف معه أنصار دافعوا باستماتة عن فكرته، فمن المؤكَّد أنَّ فكرة خلق القرآن، وهي فكرة فلسفيَّة تجريديَّة بعيدة عن واقع الناس المعيش، سوف تبقى حبيسة الكتب ورفوف الخزائن، لا يعبأ بها إلاَّ أهل الاختصاص. أَمَا وقد حدث فيها ما حدث، فإنَّ الأحكام التي صدرت ضِدَّ المخالف كانت أقسى من كُلِّ التوقُّعات!. فقد جاءت رَدَّة الفعل من السلطة السِّياسيَّة مرَّة أخرى بحجَّة درء الفتنة لمناصرة نظريَّة قِدم القرآن، فاضطهدت القائلين بأنَّ القرآن مخلوق.

والإعلام اليوم ـ بشتَّى وسائله ـ مكَّن غيرَ المتأهِّلين وعوامَّ الناس من اقتحام حمى لا شأن لهم بها، فبعد أن كان علم الكلام خَاصًّا بالعلماء وطلبة العلم، وبعد أن كانت الألغام التكفيريَّة لأهل القبلة لا تعدو فئة قليلة، صارت اليوم قضيَّة «يشيع الحديث عنها، والجدل حولها، والتقاذف بها بين من لا يحسن الفقه لفروع العبادات والمعاملات، فضلا عن الفقه لدقيق الكلام في أصول الاعتقادات!!. بل لقد غدت (شهوة الشغب) فنًّا من الفنون التي يتبارى في عرض فصوله المتفرِّغون له، ويسعى لإدمان مشاهدته وتفريغ الغرائز الصراعيَّة في متابعته جمهور عريض من الناس»(2). ومسؤوليَّة ما ينجرُّ عن ذلك تعظُمُ بقدر إسهام كُلِّ متورِّط في نشر الفكر التكفيريِّ، سواء من رجال الإِعلام، أم حتَّى من العلماء الأَعلام.

كُلُّ هذا يقع فيه المسلمون مع أَنَّ لهم عوامل وحدة متعدِّدة، وهي: «1 - العقيدة. 2 - والشريعة. 3 -

(1) جمال الدين القاسمي: الجرح والتعديل، ص47.

(2) محَمَّد عمارة: فتنة التكفير، ص84.

١٤ / ٢٨