الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون} (1) ، وقال: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى﴾ (2) ، وقال: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾ (3) ، أتحملون هذا كله على الظاهر دون السائغ من الكلام، وعلى المعقول من الخطاب دون المفهوم؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فهم إذن صم لا أسماع لهم يسمعون بها ما يخاطبون به، وعمي لا أنظار لهم يبصرون بها ما يدلون عليه، ولا عقول لهم يعقلون بها ما يكلفون به، وبكم لا ألسنة لهم فينطقون بما يلزمهم، فينبغي على هذا المعنى أن يكون الله عزّ وجلّ خاطب مَن لا يسمع ولا يبصر، وذمه بأنه لا يسمع ولا يبصر، وكلف مَن لا يفهم التكليف ولا يحتمله ولا يعقله، فهذا فعل العابث السفيه، ومن القول الذي لا يقول به أحد من الناس: عالم ولا جاهل، تعالى الله عن ذلك، مع أن الله عزّ وجلّ قد قال أيضاً: ﴿وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء﴾ (4) ، فأي هذين الخبرين أولى بأن تأخذوا، وتحملوا عليه مراد مثل هذا الكلام؟ فإن رجعوا وقالوا: إن العرب قد تسمي المتعامي أعمى، والمتصامي أصمّ، ويقولون
(1) سورة يس آية رقم 9.
(2) سورة الزخرف آية رقم 40.
(3) سورة هود آية رقم 20.
(4) سورة الأحقاف آية رقم 26.