الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤٠٦أن صفاته بخلاف صفات الأشياء، وليس في قولنا شيء (1) بخلاف الأشياء ما يخرجه من أن يكون شيئاً، وليس سبيل القول بأنه جسم لا كالأجسام سبيل القول بأنه شيء لا كالأشياء، وقد نقول: إن الإنسان حيّ، نريد أنه حيّ بحياة فيه، ونريد أنه ليس بميت، ولم بميت، ولا يموت، وقد نقول للإنسان الحي ميت إذا كان بليداً، ونقول للإنسان هو حي إذا كان حي الذهن، وإذا قلنا: إن الله حي لا كالأحياء فقد أخبرنا أن حياته ليست كحياة الخلق، وقولنا: جسم إنما هو مقصور على التجزي والتسديس فقط، وبعد فمن أين صار قولي: هو حي لا كالأحياء يبيح القول بأنه جسم لا كالأجسام، وكذلك إن سألوا عن سميع وسميع، وبصير وبصير، وعالم وعالم، فالجواب لهم في جميع ذلك كالجواب في حي وحي، فتثبت في ذلك جداً، والله وليّ التوفيق.
الفصل الثاني من المشبهة:
وأمّا الذين قالوا من المشبهة باللحم والدم، وصورة الإنسان، والسبعة (2) الأشبار على صورة آدم، فيقال لهم: أخبرونا لأية علة صار الله قديماً مخترعاً للأجسام، ألعلة الذات، أم لغير علة الذات؟ فإن قالوا: لعلة الذات، قلنا: فكيف والذاتان متفقتان؟ فإن قالوا: لعلة غير الذات، قلنا: ما هي؟ فإن قالوا: هي القدرة، قلنا: وما جعل هذه القدرة توجب القدم، واختراع الأجسام، دون أن تكون
(1) الله سبحانه وتعالى شيء، وهو أعظم الأشياء وأفضلها، وليس يشبهه شيء، ويقول الدكتور فرحات الجعبيري: ونرد ذلك على الجهمية والمشبهة الذين يعتبرون الشيء والجسم بمعنى شيء واحد، ثمّ يختلفون فيذهب الجهمية إلى نفي الشيئية عن الله فيعطلون، ويذهب المشبهة إلى إقرار الشيئية فيجسمون. وخطرهم ناجم عن خلط لغوي؛ ذلك أن اللغة تميّز بين الشيء والجسم، وتعتبر الشيء أهم من الجسم؛ لأن كل جسم شيء، وليس كل شيئاً جسماً. قال تعالى: ﴿لقد جئتم شيئاً إداً﴾ (سورة مريم 89)، يعني قولهم وفعلهم، وهو ليس بجسم. (أبو عمار عبد الكافي: حاشية على كتاب الجهالات ص 157ـ 158 نقلاً من رسالة دكتوراه للدكتور فرحات الجعبيري ص 170.
(2) الذين قالوا بذلك هم الهشامية أتباع هشام بن الحكم الرافض الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أن سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو جلد ونهاية، وأنه طويل عريض عميق، وذو لون، وطعم، ورائحة، وقد روى عنه أن معبوده كسبييكة الفضة، قاتله الله. راجع الفرق بين الفرق 227.