الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٤٠٩

قول أبعد عن المعقول من هذا القول، بل لا يكون كلام أدخل في باب المحال منه، وإن كان هو من بين الأجسام يفعل ست حركات في ست جهات معاً، فما تنكرون أيضاً أن يكون من بين الفاعلين ليس بجسم؟ ويقال لهم: أخبرونا عن الله أصار خالقاً للأجسام، وعالماً بالغيب (1) من أجل كثرة أجزائه، وعظم جسمه، أو لأن ذاته على خلاف كل ذات، خرجوا من المذهب، وتركوا القول بالتجسيم، وإن كان إنما يخلق لكثرة الأجزاء فقد كان ينبغي لكل جسم يخلق على قدر أجزائه، وإن قالوا: ليست العلة في ذلك كثرة الأجزاء ولا قلتها، فإذا كان ذلك كذلك، فلعله أصغر من الهيئات وأقل من كل قليل، ويلزم المشبهة أيضاً أن يكونوا لا يدرون لعل الذرة (2) والبعوضة أكبر جسماً من إلههم، من غير الوجه الذي ألزمناه قبل؛ لأن الله لا يخلوا من أن يكون محدوداً أو غير محدود، فإن كان الله محدوداً فلا يجوز أن يفعل العالم منه على هذا القياس إلاّ الجزء المحدود، إذا كان الكل لا يقع إلاّ على المتناهي،

(1) الغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك، وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها، والغيابة: الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، والغيب: كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول: من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر والنشر، والجنة والنار. وقال عبد الله بن مسعود: ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ثمّ قرأ: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾. سورة البقرة آية 3.

(2) الذرة في الأصل: هي الجزء الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ، أثبتها (ديمقريطس) و(أبيقوروس) و(لوكرس)، فقال ديمقريطس: إن الجواهر الفردة أبدية ومتجانسة، وثابتة لا تختلف بعضها عن بعض إلاَّ بصورها وأوضاعها وحركاتها، وقال المتكلمون الذين أثبتوا ذلك أن الجوهر الفرد ذو وضع لا يقبل القسمة أصلاً لا قطعاً، ولا كسراً، ويطلق المحدثون لفظ الذرة على أصغر جزء من عنصر مادي ما، يصح أن يدخل في التفاعلات الكيماوية، وهذه الأجزاء المادية ثابتة الكيفيات، وقد أطلق العلماء خلال هذه السنوات الأخيرة لفظ الذرة على أجزاء فيزيائية محدودة ومنفصلة لا تقبل الانقسام، كالذرات الكهربائية أي (الإكترونات)، وأطلق الفلاسفة لفظ الذرة على العناصر النفسية التي لا تنقسم، وسموه بالذرات النفسية.

١٥٦ / ٤٦٠