الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤١٥قال جلّ اسمه، حين زعمتم أنه يرى بالأبصار، ويدرك بالأعيان، وهو يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ (1) ، ولم تقولوا في قوله: (ناظرة) بالذي قال عزّ وجلّ ورسوله _صلى الله عليه وسلم_، وأصحابه، والأئمة من بعدهم، من الذين بيّنا فيما مضى من كلامنا، ورويناه في غير حديث، واستشهدنا عليه من أن النظر إنما هو على الانتظار، لا على رؤية الأبصار، وليس لكم بين أحد الوجهين وجه تذهبون إليه، ولا ملجأ تأوون إليه، إمّا أنكم عزمتم على مقالة إخوانكم، فيلزمكم جميع ما يلزمهم، أو رجعتم إلى الذي قلنا صاغرين.
وكذلك يسألون عن قوله: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (2) ، وعن قوله: ﴿والسماوات والأرض مطويات بيمينه﴾ (3) ، وعن قوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ (4) ، وعن قوله: ﴿وجاء ربك﴾ (5) في مثل ذلك من جميع ما تقدم ذكره فيما مضى من كلامنا، فيقال لهم: على ماذا تحملون هذا كله من قول الله؟ وعلى أي وجه تتأولونه، أعلى ما يعقل من الجوارح، المركبة في الأبدان: من اليد التي هي مركبة في ساعد، والساعد في مرفق، والمرفق في عضد، والعضد في منكب، والمنكب في الكتف،
(1) سورة الأنعام آية رقم 103. بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد. واختلف السلف في رؤية نبيّنا عليه السلام ربه، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة فجلست فقلت يا أم المؤمنين انظريني ولا تُعجليني، ألم يقل الله عزّ وجلّ: ﴿ولقد رآه بالأفق المبين﴾، ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطاً من السماء ساداً، عظم ما بين السماء والأرض، فقالت: ألم تسمع أن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾، أولم تسمع أن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاَّ وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً﴾. فقال ومن زعم أن محمداً _صلى الله عليه وسلم_ كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (سورة المائدة: 67)، قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاَّ الله﴾ (سورة النحل:65).
(2) سورة الفتح آية رقم 10.
(3) سورة الزمر آية رقم 67.
(4) سورة طه آية رقم 39.
(5) سورة الفجر آية رقم 22.