الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٤١٨

الوجه تذهبون أن يتحول الباري جلّ جلاله عن صفة القديم (1) اللائق إلى صفة المحدث المخلوق، ففي هذا ما فيه، وكذلك إن سألوا فقالوا: ما أنكرتم أن يكون الله عزّ وجلّ قد زاد في أبصاركم قوة فتدركونه بها؟ قلنا: لا تخلو هذه القوة الزائدة من أن تكون تخرج بالأبصار عن معناها، وتحولها عن صفتها، فتكون إذ ذاك ليست أبصاراً، فتصير على وجه الحواس الأخرى، وعلى غير ذلك من الأشياء، فإذا كانت على وجه الحواس الأخرى كانت الأبصار منقولة محولة عن جهة الدرك للألوان، والمشاهدة للأشخاص، وصارت بجهة الدرك للروائح، والملامس والاستذواق، والأصوات، وبطل الوصف عنها حينئذ بأنَّها ترى وتبصر، أو تكون هذه القوة التي تزاد في الأبصار ليست مما يخرجها عن معناها، ولكنها زيادة في قوة الناظر، فإذا كان هذا على هذا الوجه فليس في هذا ما يوجب لها أن تكون تدرك ما ليس بلون، أو ترى ما ليس بشخص، وإنما هذا مما يوجب للأبصار أن تكون تدرك من الألوان الخفيفة، والأشخاص الضئيلة، والأشياء البعيدة المسافة ما لم تكن تدركه قبل زيادة القوة، ألا ترون أنَّ الأسد إنما كان يرى في جوف ظلمة الليل ما لم يكن يراه ما سواه من الحيوان

(1) القديم في اللغة: ما مضى على وجوده زمان طويل، ويطلق في الفلسفة العربية على الموجود الذي ليس لوجوده ابتداء، ويرادفه الأول. قال ابن سينا: "يقال قديم للشيء إما بحسب ذاته، وإما بحسب الزمان، فالقديم بحسب الذات هو الذي ليس لذاته مبدأ هي به موجودة، والقديم بحسب الزمان هو الذي لا أول لزمانه". راجع النجاه 355.

والقديم بحسب الذات هو الذي له مبدأ يتعلق به، وهو الواحد الحق (رسالة الحدود 102). راجع المعجم الفلسفي 2: 188.

١٦٥ / ٤٦٠