الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤١٩لشدة بصره، ولقوة ناظره، فإذا اشتد البصر، وقوي الناظر زاد في الدرك للألوان، والرؤية للأشخاص، كما أنَّه إذا ضعف الناظر ضعف الدرك للأشخاص، والتمييز للألوان، فلا يدرك صاحبه إلاَّ ما جلّ من ذلك دون ما دق، على قدر ضعف البصر وقوته، إلى أن يذهب جميعه، فلا يكون البصر عند ذلك يدرك لوناً، ولا يرى شخصاً، كما أنَّ النار إذا قويت قوي إحراقها وتمييزها، وليس في زيادة قوتها ما يخرجها عن معنى الإحراق والتمييز، وكذلك الثلج كلما تقوى أو كثر قوي تبريده للأشياء، وتجميده إياها، ولا تخرجه قوته عن صفته ومعناه. وكذلك إن سألوا وقالوا: ما أنكرتم أن يكون الله جلّ جلاله يحدث لهم في المعاد حاسة سادسة، فيكونون يدركونه بها؟ قلنا: هذا ومثله من المسألة الأولى، فإن كنتم أردتم أن تكون هذه الحاسة السادسة على معنى الإبصار وعلى صفتها فقد أنبأناكم أولاً بأنَّ الأبصار مقصورة على درك الألوان، والأشخاص مطبوعة على أنها لا يكون منها إلاَّ ذلك، وإن أردتم أن تكون الحاسة المستحدثة لهم بخلاف صفة الإبصار فقد أبطلتم عنها أن تكون ترى وتبصر، وفي إبطالكم عنها ذلك إبطال لقولكم، ويقال لهم: خبرونا لأية علة صار معبودكم لها يرى في دار المعاد ولا يرى لها في دار الدنيا، أَلِلذات كان ذلك أم للخبر؟ فإن قلتم للذات، فالذات لا تتغير، وإن قلتم للخبر قلنا: وما ذلك الخبر؟ فإن قلتم: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناضرة﴾ (1) قلنا: فهذا الخبر
(1) سورة القيامة آية رقم 23.