الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٢٨وأعجزها عن البقاء، أو من جعل ذلك منها يدل على حدوثها وعجزها وحاجتها؟ فإن زعموا أن العباد جعلوا ذلك كذلك كانت المسألة عليهم في هذا كهي عليهم فيما مضى من المسائل، إلاَّ أن يرجعوا إلى أنَّ الله هو الذي جعل الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء، مستحيلاً عنها البقاء، وجعلها محدثة غير قديمة، كائنة بعد أن لم تكن، وجعلها دالة على حدوث الأجسام، وعلى قدم محدث جميع ذلك، وثبوت ربوبيته، ووحدانيته، وهكذا يجدد عليهم السؤال في جميع ما تسألهم عنه في هذا الباب، واحذرهم أن يزلوا بك من وجه إلى وجه، وأن يخرجوا بك من مسألة إلى مسألة، حتى يتضح لك الحق ببرهانه، ويضمحل الباطل لفساده، وإنما عمدت إلى هذا النوع من المسائل في باب التوحيد مع كثرة ما يدخل على القدرية من المسائل، ويلزمهم من الدلائل ليتبين للناظر أنَّه أصل في هذا المعنى من أصول التوحيد الذي لا يتم إلاَّ به، ولا يقوم إلاَّ عليه.
ثمَّ يقال لهم أيضاً: أخبرونا عمن جعل الأفعال غير مدركة بالحواس، ولا مشاهدة بالعيان؟ أهو الذي جعل الحواس غير مدركة للأفعال، والعيان غير مشاهد لها؟ فإن قالوا: إنَّ الجاعل لذلك كله واحد، قلنا: ما هو؟