الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٢٧

حدوث من حلت به ووصف بها؟ فإن قالوا: لا، أبطلوا، وصاروا إلى مذهب المبطلين من أهل الدهر (1) ، فكان الرد عليهم جميعاً واحداً، فإن رجعوا وقالوا: إنَّها تدل بحدوثها على حدوث من حلت به ووصف بها، قلنا: من جعلها دالة على حدوث الموصوف بها؟ فإن زعموا أنَّ العباد تولوا ذلك منها، قلنا: فالعباد إذن محمودون على أن جعلوا أفعالهم تدل على حدوث الأجسام وإبطال قدمها، فإن هم أجابوا إلى ذلك، قلنا: أفيجب على ذلك للعباد الحمد وحسن الثناء؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: فينبغي أن يكون العاصون محمودين على معاصيهم التي هي حركاتهم وسكونهم؛ حيث جعلوها دلالة على حدوث أجسامهم، فإذا قالوا: نعم، أبطلوا على العاصين الذَّم، وأدخلوها في باب الحمد والثناء، فإن قالوا: لا يجب الحمد للعاصين، وليسوا هم الذين جعلوا أفعالهم دالة على حدوث أجسامهم فيحمدون على ذلك، قلنا: من جعلها إذن تدل على حدوث من قامت به ووصف بها؟ فلا يجدون إلاَّ أن يقولوا إن الله جعل هذه الأفعال من حركات العباد وسكونهم، واجتماعهم، وافتراقهم دالة على حدوث أجسامهم، وجعل ذلك دلالة على وحدانيته جلَّ ثناؤه وربوبيته (2) ، كما جعل سائر الأفعال من الأشياء كذلك، إذ كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على الله جلّ جلاله. ويقال لهم: أخبرونا عن هذه الأفعال هل تدل بعجزها عن أن تقوم بنفسها وبحاجتها إلى أن تقوم بغيرها، على أنَّها محدثة كائنة بعد أن لم تكن؟ فإن قالوا: نعم، قلنا: من جعلها عاجزة عن القيام بنفسها، محتاجة إلى أن تقوم بغيرها، وجعل ذلك دلالة على حدوثها؟ فإن زعموا أنَّ العباد جعلوا ذلك كذلك، كان الإدخال عليهم في هذه المسألة كهو عليهم في المسألة الأولى، ويقال لهم: من جعل الأفعال ملازمة للفناء،

(1) الدهرية: الدهر في الأصل اسم لمدة من العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) سورة الإنسان، آية 1، ثمَّ يعبر عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان.

والدهرية: نسبة إلى الذين جحدوا بالله، وزعموا أنَّ العالم وجد بدون الله عزّ وجلّ، _تعالى عن ذلك_، وقالوا: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) الجاثية، آية 24.

وقد أحسن أبو علي الثقفي عندما قال:

يا عابث الدهر إذا نابه لا تلم الدهر على غدره

الدهر مأمور له آمر وينتهي الدهر إلى أمره

كم كافر أمواله جمة تزداد أضعافاً على كفره

ومؤمن ليس له درهم يزداد إيماناً على فقره

(2) توحيد الربوبية: الإقرار بأنَّه خالق كل شيء، وأنَّه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، وهو الغاية عند كثير من أهل النظر. وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغير الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) سورة إبراهيم آية، رقم 10. راجع العقيدة الطحاوية 1: 9، وفتاوى ابن تيمية، ط الرياض.

٢٠٦ / ٤٦٠