الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٣١أن يجعلها بخلاف ذلك، فينقلها من هيئتها التي هي عليها، فيجعل الأفعال مدركة بالحواس، مشاهدة بالعيان، ويجعل الحركة منها سكوناً، والسكون حركة، ويجعل السكون متعباً مؤلماً، والحركة مريحة من التعب، ويجعل الأكل مروياً، ويجعل الشراب متخماً؟ فإن كنتم تصفونه بالقدرة على تحويل هذه الأشياء عن هيئاتها ثبت لكم ما أضفتموه إليه من ذلك، وإلاَّ كيف تضيفون إليه فعل شيء من الأشياء وأنتم لا تصفونه بالقدرة على تركه، ولا على جعله بخلاف ما هو به؟ وهذه المعارضة من أقوى معارضات القدرية عند أنفسهم، فيقال لهم: أليس قد جاز أن يقال إنَّ هذه الأفعال في أنفسها على ما هي به، واستحال أن تكون على غير ما هي به، ولم تكن استحالة كونها على غير ما هي به مبطلاً أن تكون كائنة على ما هي به، فلم لا كان هذا مجوزاً أن يقال: إنَّها مجعولة على ما هي به، وإن استحال أن يكون الجاعل الذي جعلها على ما هي به؟
ثمَّ يقال لهم بعد ذلك: أخبرونا عن حركات الاضطرار: من جرية المياه واضطرابها، وحركات الأفلاك (1) وجري الشمس والقمر والنجوم، وعن سكون الجبال والأجسام والجامدات، من جعل ذلك كله على ما هو به في عينه، من اتفاق ما اتفق منهن واختلاف ما اختلف، فإن أضافوا ذلك إلى غير الله أبطلوا، وإن قالوا: إنَّ
(1) ذهب بعض الحكماء كأرسطو وأتباعه، والجبائي من المعتزلة إلى أنَّ بين كل حركتين مستقيمتين كصاعدة وهابطة سكوناً، فالحجز إذا صعد قسراً ثمَّ رجع فلا بدّ أن يكون فيما بينهما، فإنَّ كل حركة مستقيمة لا بدّ أن تنتهي إلى سكون؛ لأنَّها لا تذهب على الاستقامة إلى غير النهاية، ومنعه غيرهم كأفلاطون، وأكثر المتكلمين من المعتزلة.
وحركات الأفلاك وما في أجرامها لها أسماء: الحركة البسيطة، وتسمى متشابهة، وبالحركة حول المركز أيضاً، وبالحركة حول النقطة أيضاً: وهي حركة تحدث بها عند مركز الفلك في أزمنة متساوية. راجع شرح المواقف 2 ـ 147، 181، وكشاف اصطلاحات الفنون 2: 99، 100.