الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٣٣

الأعراض عن معناها إلى معنى الأجسام، بل هو الجاعل لذلك على ما هو به في عينه، والجاعل لجميعه محدثاً كائناً بعد أن لم يكن، ونحن مع ذلك لا نصفه بالقدرة على أن يجعل شيئاً منه غير محدث، وهذا الجواب مبطل لمعارضتهم، وهو مع ذلك داخل على من قال منهم بالطبائع (1) وعلى من قال بغير الطبائع، ممن يزعم أنَّ الأفعال في كيفيتها جعل لغير جاعل، وفعل لغير فاعل، وحدث لغير محدث، وناقص لعللهم التي ذكرناها عنهم في وصف مقالتهم أول الباب.

باب معارضة القدرية (2) بـ: لو جاز:

ومما عارضت به القدرية في هذا الباب أن قالوا: وجدنا هذا الفعل جزءاً واحداً لا يحتمل التجزئة ولا التغاير، ولا يجوز أن يكون من فاعلين، لاستحالة الفعل الواحد أن يكون يفعله فاعلان، لأنَّه لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن تكون حركة واحدة من متحركين، وسكون واحد من ساكنين. وقالوا: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون مكان واحد لمتمكنين، وقالوا: لو جاز أن يكون فعل واحد من فاعلين لجاز أن يكون قول واحد من قائلين، وقالوا في وجه آخر: وجدنا أفعال الخلق فيها القبيح من: الجور والخطأ، والكذب، والزور، والافتراء، قالوا: فلو جاز أن يفعل الجور والخطأ، والزور

(1) ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة، وقالوا: ليس في النار حر، ولا في الثلج برد، ولا في العالم طبيعة أصلاً، وقالوا: إنما حدث حر النار جملة وبرد الثلج عند الملامسة؛ ولكنَّ الله تعالى يخلق منه ما يشاء، وقد كان ممكناً أن يحدث من مني الرجل جملاً، ومن مني الحمار إنساناً. ويرد عليهم ابن حزم قائلاً: إن اللغة التي نزل بها القرآن تبطل قولكم؛ لأنَّ من لغة العرب القديمة ذكر الطبيعة والخليقة والسليقة والنخيرة والغريزة والسجية والشيمة والجبلة، ولا شكّ أنّ النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ سمع هذه الألفاظ ولم ينكرها، ولا أنكرها أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

قال امرؤ القيس:

وإن كنت قد ساءتك مني خليقة فسُلي ثيابي من ثيابك تنْسُلِ

وقال حميد بن ثور الهلالي:

لكل امرئ يا أم عمرو طبيعة وتفرق ما بين الرجال الطبائع

وقال النابغة:

لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازب

وغير ذلك كثير. راجع كتاب الفصل لابن حزم بتحقيقنا 5: 115، 116، 117.

(2) القدرية: نسبة إلى القدر، بفتح الدال وسكونها. قال النووي في شرح مسلم: يقال القدَر والقدْر بفتح الدال وسكونها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي وغيره، ويقرر شارح الطحاوية: إنَّ الصحيح في أحاديث ذم القدرية أنَّها موقوفة، ولقد أدرك ابن تيمية هذه المسألة غاية الإدراك وتفطن إليها؛ حيث ذكر أنَّ الأحاديث المروية في ذم القدرية والمرجئة كالتي رواها ابن ماجة، وابن أبي داود في السنن طعن فيها العلماء وضعفوها، وبعض الناس يميل إلى تقويتها وإثباتها، وذكر أنَّ الثابت في ذم القدرية وأمثالهم إنما هو عن الصحابة: كابن عمر وابن عباس _رضي الله عنهما_. "راجع ابن تيمية: مجموع الرسائل الكبرى، القاهرة 1385 ـ 1966، 1/26، شرح الطحاوية بتحقيقنا".

٢١٢ / ٤٦٠