الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٣٨من مقالتهم نفسها، وذلك إنا لا نرسل الجواب إرسالاً، فنقول: إنّ الله فعل الجور والخطأ، وغير ذلك مما ذكروا؛ ولكنا نقول: إن الله خلق الجور والخطأ والكذب من الجائر المخطئ الكاذب، فجعله في عينه جوراً مخالفاً للعدل، وجعل الخطأ مخالفاً للحق، وجعل الكذب مخالفاً للصدق، ولا يجوز أن يفعل الجور من جهة ما يحكم بالجور إلاَّ جائر، ولا أن يفعل الخطأ من جهة ما يختار فعله عن فعل الصواب إلاَّ مخطئ، ولا أن يفعل الكذب من جهة الإخبار به إلاَّ كاذب، وأمّا مَن جعل الخبر كذباً لغيره، والجور والخطأ والعبث جوراً وخطأ وعبثاً لغيره، موصوفاً به فلا يكون بذلك كاذباً، ولا جائراً، ولا مخطئاً، ولا عابثاً، كما جعل حركة الاضطرار، وسكون الاضطرار للمتحركين الساكنين بهما، ولم يكن بذلك متحركاً ولا ساكناً، وكما جعل الولد لغيره ولداً، والصاحبة لغيره صاحبة، ولا يسمى بذلك، ولا يوصف به جلّ وعلا عن ذلك علواً كبيراً، فكان غيره بذلك متحركاً وساكناً ووالداً.
وأمّا قولهم: لو كان فعل العبد خلقاً لله لجاز أن يقال: إن العبد فعل خلق الله (1) ، فالجواب عن هذا أنه إنما يعبّر عن القول من جهة ما تحسن العبارة عنه، إنما يقال: خلق الله فعل العبد، إذ ليس من فعل العبد ما لم يخلق الله،
(1) روى الكعبي عن الجاحظ: أن لا فعل للإنسان إلاَّ الإرادة، فلو صدق الكعبي فيما يقوله عن الجاحظ لزمه أن لا يكون الإنسان مصلياً، ولا صائماً، ولا حاجاً، ولا زانياً، ولا سارقاً، ولا قاذفاً؛ لأنه لم يفعل عنده صلاة، ولا صوماً، ولا حجاً، ولا زنى، ولا سرقة، ولا قتلاً، ولا قذفاً؛ لأنّ هذه الأفعال عنده غير الإرادة. راجع الفرق بين الفرق 176.