الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٥٤

في الإضافات التي أضاف الله إلى العباد بأنَّهم يعملون ويكسبون، وتطوع لهم أنفسهم وتسول، بالذي ينقض علينا من قولنا شيئاً، وإنما ذلك على الجهمية (1) وأصحابهم الذين لا يقولون بالاختيار للعباد، ولا يثبتون الاكتساب لهم، ولا يقولون بالتطويع ولا بالتسويل ولا بشيء من ذلك، وكذلك قوله: (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) (2) فنحن نقول: إن أفعالهم وحسدهم، وبغيهم، من عند أنفسهم فعلاً لا خلقاً، وقوله: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ) (3) ، فإنه قد قال أيضاً: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) (4) أفيجب بهذا كله من قوله أن يكون سلام العباد بعضهم على بعض، وتحيتهم فيما بينهم مخلوقة لله عندهم، لقوله: (مِّنْ عِندِ اللَّهِ)، فإن قالوا: إنما أراد بذلك أنَّ الله أمر بالتحية والسلام، فلذلك أضافهما إلى نفسه، قلنا: فكذلك قوله: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ) يريد أن تحريف اليهود (5) للكتاب ليس هو من الكتاب، ولا من عند الله، نزل رداً عليهم في قولهم: إنَّه من الكتاب، ومن عند الله نزل، ولم تكن اليهود تذهب في قولها ذلك إلى خلق الله الفعل، فيكون الله قدر عليهم في ذلك. وهذا أوضح من أن يغلط في تأويله غالط.

(1) يقول الشهرستاني عن الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان _وهو من الجبرية الخالصة_ ظهرت بدعته بترمذ، وقتله سلم بن أحوز. ويؤكد البغدادي أنَّ جهماً قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها. ويورد الأشعري قول الجهمية: إنَّه لا فعل لأحد في الحقيقة إلاَّ الله وحده، وإنه هو الفاعل، وإنَّ الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز إلاَّ أنَّه خلق للإنسان قوة كان بها الفعل، وخلق له إرادة للفعل، واختياراً له منفرداً بذلك.

وإذن فجهم على أساس رواية الأشعري لم ينكر الاستطاعات كلها كما ذكر البغدادي، ولم يسلب عن الإنسان الاستطاعة كما ذكر الشهرستاني. راجع الملل والنحل 1: 79، والبداية والنهاية 1: 27، والفرق بين الفرق ص 211، ومقالات الإسلاميين 1: 312، نشأة الفكر الفلسفي 1: 245.

(2) الآية 109 من سورة البقرة.

(3) الآية 78 من سورة آل عمران.

(4) الآية 61 من سورة النور.

(5) اليهود: نسبوا إلى يهوذا، وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالاً. وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل.

هاد: تاب، والهائد التائب، قال الشاعر: "إلى امرئ من حبه هائد" أي تائب، وفي التنزيل: (إنا هدنا إليك) أي تبنا، وقال ابن عرفة: أي سكنا إلى أمرك، والهوادة: السكون والموادعة، ومنه قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا(.

٢٣٣ / ٤٦٠