الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٦١بشيء، ونحن جميعاً ننسب الهادي إلى الهداية ونسميه بها، ونحكم بها عليه، وننسب الضال إلى الضلالة ونسميه بها، ونحكم بها عليه. فما معنى هذه الإضافة التي أضافها الله إلى نفسه، واستخصّ بها دون خلقه بأنه: (يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء) (1) ؟ وما فائدتها لو كان الأمر على ما ذهب إليه أهل القدر من ذلك؟ مع إطباق أهل اللغة على أنهم لا يجدون شيئاً من لغة العرب أفعلت الرجل بمعنى نسبته، وإنما يقال: في معنى نسبته فعلت: كفرت الرجل، وخينته وسرقته، وخطأته، وظلمته، وضللته، وفسقته، وفجرته، ولحنته، ولا يقال في مثل هذا أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك. هكذا حفظ من الأصمعي (2) والكسائي (3) وغيرهما من أئمة اللغة، وأنشدوا قول لبيد (4) :
إن تقوى ربّنا خير نفل وبقدر الله ريثي وعجل
مَن هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومَن شاء أضلّ (5)
(1) الآية 93 من سورة النحل.
(2) هو عبد الملك بن قريب بن علي، أبو سعيد الأصمعي: راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، نسبته إلى جده أصمع. كان الرشيد يسميه شيطان الشعر. قال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي. وقال أبو الطيب: كان أتقن القوم لغة، وتصانيفه كثيرة منها: الأضداد وخلق الإنسان، وللمستشرق الألماني وليم أهلورد كتاب سماه "الأصمعيات"، توفي عام 216 هـ. راجع جمهرة الأنساب 234، وابن خلّكان 1: 288، وتاريخ بغداد 10: 410.
(3) هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، أبو الحسن الكسائي، إمام في اللغة والنحو والقراءة، من أهل الكوفة، ولد في إحدى قراها، وتنقل في البادية، وسكن بغداد، وتوفي بالريّ عام 189 هـ، وهو مؤدّب الرشيد العباس وابنه الأمين، له تصانيف منها: (معاني القرآن)، "والمصادر"، و"النوادر". راجع غاية النهاية 1: 535، وابن خلّكان 1: 230، وتاريخ بغداد 11: 403، وطبقات النحويين 138.
(4) هو لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام ووفد على النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم، وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلاَّ بيتاً واحداً، قيل هو:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح
وهو أحد أصحاب المعلقات، توفي عام 41 هـ 661 م. راجع خزانة الأدب البغدادي 1: 337 ـ 339، وآداب اللغة 1: 111، والشعر والشعراء، 231، 343، والنقائض 201.
(5) راجع ديوانه ص 39.