الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٦٣

_صلى الله عليه وسلم_ أنَّه قال: "لو أن الرفق خلق يرى لم يكن شيء أحسن منه، ولو أن الخرق خلق يرى لم يكن شيء أقبح منه (1) " والرفق والخرق فعل العباد يمدحون به ويذمون عليه، وروي عنه _صلى الله عليه وسلم_ أنه قال لمعاذ بن جبل (2) : "إن الله لم يخلق شيئاً هو أحب إليه من العتاق _يعني مما رغب فيه من غير فرض_، ولم يخلق شيئاً أبغض إليه من الطلاق" (3) . يعني مما هو دون ما نهى عنه من المعصية، وقد علمنا أن العتاق والطلاق فعل العباد، وروي عنه أنه قيل له: يا رسول الله لو سعرت لنا سعراً فقال: "إن الله هو المسعر (4) والعباد يحمدون على أن يرخصوا الأسعار، ويذمون إذا أغلوها". وروي عنه أنَّه مرّ على جنازة رجل من الأنصار فقال: "اللَّهمّ نقّه من الذنوب والخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس" (5) ، والعباد هم الذين يقصرون الثياب، وأضاف رسول الله ذلك إلى الله كما ترى؛ لأنَّه المقدر لذلك، والمجرى له على أيدي العباد.

ومن الآثار: ما روي عن علي بن أبي طالب أنَّه سئل عن الأفعال التي

(1) الحديث المشهور الذي رواه مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_: "إن الرفق لا يكون في شيء إلاَّ زانه، ولا ينزع من شيء إلاَّ شانه". ورواية العسكري عن عائشة: بلفظ: "ما كان الرفق في قوم إلاَّ نفعهم، ولا كان الخرق في قوم إلاَّ ضرّهم". وروى العسكري عن أنس مرفوعاً: "ما كان الرفق في شيء قط إلاَّ زانه، ولا كان الخرق في شيء قطّ إلاَّ شانه". ورواه عن جرير: "مَن يحرم الرفق يحرم الخير كلّه". وعند الدارقطني في الأفراد عن أنس: "إذا أراد الله بأهل بيت خيراً نفعهم في الدين، ووقر غيرهم كبيرهم، ورزقهم الرفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصرهم بعيوبهم، فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملاً".

(2) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل، كان أعلم الأمة بالحلال والحرام، وهو أحد الستّة الذين جمعوا القرآن على عهد النبيّ _صلى الله عليه وسلم_، وشهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، بعثه رسول الله قاضياً ومرشداً لأهل اليمن، له 157 حديثاً، توفي عقيماً عام 18 هـ بناحية الأردن، ومن كلام عمر: لولا معاذ لهلك عمر. راجع طبقات ابن سعد 3: 120، والإصابة ت 8039، وأسد الغابة 4: 376، وحلية الأولياء 1: 228.

(3) الحديث رواه الدارقطني عن معاذ مرفوعاً بلفظ: يا معاذ ما خلق الله شيئاً أحبّ إليه من العتاق، ولا خلق شيئاً على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حرّ إن شاء الله فهو حرّ لا استثناء له، وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه، ولا طلاق عليه انتهى. راجع كشف الخفاء ومزيل الإلباس 1: 28.

(4) الحديث روي من حديث أنس، ومن حديث أبي جحيفة، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث الخدري.

فحديث أنس: أخرجه أبو داود والترمذي في البيوع، وابن ماجه في التجارات عن حماد بن سلمة عن قتادة وحميد، ثلاثتهم عن أنس، وفيه زيادة: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال.

قال الترمذي: حديث حسن صحيح انتهى. ورواه الدارمي والبزار وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولم يذكر فيه المسعر. وأمّا حديث أبي جحيفة فرواه الطبراني في معجمه: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي ثنا غسان بن الربيع ثنا أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي جحيفة قالوا: يا رسول الله سعر لنا الحديث.

وأمّا حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في معجمه الصغير: حدّثنا محمد بن يزيد بن عبد الوارث ثنا يحيى بن صالح الوحاظي ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس بلفظ حديث أبي جحيفة.

وأمّا حديث الخدري فرواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدّثنا محمد بن محمد النجار ثنا أبو معن الرقاش ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: وذكره.

(5) الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، 23 باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، عن حبيب بن عبيد عن عوف بن مالك قال: وذكره. ورواه الإمام مسلم في كتاب الجنائز، 26 باب الدعاء للميت في الصلاة (85)، 963 بسنده عن عوف بن مالك أيضاً وذكره.

٢٤٢ / ٤٦٠