الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٠٣للذي معه من الفعل الذي يستحق فاعله ما ذكرنا من العداوة والبغضاء والشتمة واللعنة، ووجوب العقاب الأليم، وتجريح الشهادة، وبطلان العدالة، وغير ذلك مما ذكرناه وما لم نذكره. فلما بطل هذان الوجهان عن مرتكب الكبائر، المضيع للفرائض بطل أن يسمى مؤمناً، ولم يبق إلاَّ التسمية بأنَّه كافر، وها أنتم تسمون القدرية ضالين غير مهتدين، على ما معهم من الهدى الذي هو توحيد الله وحده، والإقرار بنبيه وكتابه ورسله واليوم الآخر، وغير ذلك من دين الله، وما سميتموهم ضالين إلاَّ بتكذيبهم القدر، ولم تسموهم بجميع ما معهم من الهدى مهتدين، وسميتم الخوارج مارقين من الدين مبتدعين، وقد علمتم ما هم عليه وفيه من الدين، بأنَّهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون، ولم تنقموا منهم إلاَّ لأنَّهم يكفرونكم ويستعرضونكم بالسيف، فسميتموهم مارقين من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، مبتدعين خارجين من الدين (1) ، ولم تلتفتوا إلى ما هم عليه وفيه من دين الله، والقيام بأمره، والعمل بكتابه وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ فتسمونهم بما معهم من ذلك، داخلين في الدين غير خارجين منه ولا مارقين، ومتبعين للسنة غير مبتدعين. فهذا كله منكم معنى ما أنكرتم.
(1) الدين: يقال للطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدين كالملة لكنه يقال اعتباراً بالطاعة والانقياد للشريعة. قال تعالى: (ومن أحسن من الله ديناً) النساء آية 125، أي طاعة، وقوله: (لا تغلو في دينكم) النساء 171، حث على اتباع دين النبيّ _صلى الله عليه وسلم_.
وقال بعضهم: الدين الجزاء، دنته ديْناً وديناً والإسلام، وقد دنت به، والعادة، قال:
تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني
= والطاعة، والغلبة، والحكم، والتوحيد، وفي الحديث: إنَّ الدين يسر، وفيه: إنَّ دين الله الحنيفية السمحة، وقال: إنَّ الدين متين فأوغل فيه برفق.
والدين: ورد في القرآن بمعنى التوحيد والشهادة: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران آية 19، وبمعنى الحساب والمناقشة، قال تعالى: (الذين يكذبون بيوم الدين) سورة المطففين آية 11، وبمعنى الملة، قال تعالى: (وذلك دين القيمة) البينة، آية 5.