الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٠٤باب الوعد والوعيد والرد على من قال بغير الحق في ذلك.
ثمَّ اختلف الناس في إثبات وعد الله ووعيده على اختلافهم في التسمية بالإيمان، فقالت المرجئة والحشوية (1) : كل من سميناه بأنَّه مؤمن للذي أتى به من توحيد الله عزّ وجلّ، مع تضييعه ما أمر الله به من الفرائض التي هي دون التوحيد، ومع ركوبه الذي نهى الله عنه من المعاصي التي هي دون الشرك، فواجب له وعد الله عزّ وجلّ بثوابه في المعاد (2) على كل حال، وتوقفوا في إنجاز وعيد الله لمن كان بهذه الصفة التي ذكرناها، واضطربت فيه كلمتهم، وتشتت أمرهم، فمن قائل يقول: بأنَّ أمة محمد لا تعرض على النار، ومن قائل يقول بأنَّه يعذب المذنبين منهم على قدر ذنوبهم، ثمَّ يخرجون فينجز لهم بعد ذلك ما وعد لهم من الثواب، ومن قائل بالتوقف عن ذلك، والشك فيه، ولذلك سموا مرجئة؛ لأنَّهم أرجوا أهل الكبائر، أي أخروهم، وتركوا القول فيهم، ولم يقطعوا عليهم عذراً، وقيل سموا مرجئة لأنَّهم أرجوا العمل، ولم يجعلوه إيماناً مع القول، وفي مثل هذا من القول ما روي عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ (لعنت المرجئة على لسان
(1) الحشوية: فرقة من الفرق الإسلامية، أجمعت على الجبر والتشبيه، وينكرون الخوض في الكلام والجدل، ويقولون على التقليد وظواهر الروايات والتشبيه، ولهذا تسمى بالمشبهة، وتنسب هذه الفرقة إلى محمد بن كرام الذي نشأ في سجستان، وتوفي في بيت المقدس سنة 869 م. راجع دراسات إسلامية في الأصول الإباضية ص 138، والفرق بين الفرق عند الحديث عن الكرامية ص 215، وانظر اللباب 3: 32، ولسان الميزان 5: 353.
(2) المعاد: مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه، وأقام الدليل عليه، قال تعالى: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) سورة الحاقة، آية 18، والمكذب به مرتد عن دينه لأنَّه أنكر ما عرف من الدين بالضرورة. راجع أضحوية في أمر الميعاد لابن سينا.