الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ١١٥

منهم بما دون الكبائر، فقال: (إن ربك واسع المغفرة) (1) وهو تأويل سهل قريب، والحمد لله.

ولو كان قوله: (لمن يشاء) على ما ذهبوا إليه أنها كانت لغواً ليست باستثناء كان يكون قوله عزّ وجلّ: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله أحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء) (2) أن يكون اليهود (3) والنصارى (4) مغفوراً لهم بغير استثناء ولا شريطه، ولو كان ما ذهب إليه أهل الإرجاء أن ما دون الشرك مغفور لأهله، غير مؤاخذين به على حال لكان يجب أن يغفر للمشركين ما دون شركهم من معاصيهم التي هي: قتلهم للمؤمنين، وسفكهم لدمائهم، وأخذهم لأموالهم، وقتلهم لأولادهم سفهاً بغير علم، وفعلهم الفواحش التي نهاهم الله عمّا ظهر منها وما بطن، وشربهم للخمور وبيعهم لها من الذي لعنوا عنه، وتركهم النهي عن المنكر الذي لعنوا به على لسان داود وعيسى ابن مريم، فيكون المشركون مغفوراً لهم هذه الأفعال وأمثالها من معاصي الله عزّ وجلّ؛ لأنه قال: (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (5) جميعاً على مقالتهم.

(1) سورة النجم آية رقم 32، واللمم: هي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلاَّ من عصمه الله وحفظه، وقد اختلف في معناها، فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي: اللمم كل ما دون الزنى. وقال ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وحذيفة ومسروق: إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وقال ابن عباس: هو الرجل يلم بذنب، قال ألم تسمع النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ كان يقول:

إن يغفر الله يغفر جماً وأي عبد لك لا ألما

ودليل هذا قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) سورة آل عمران آية رقم 135، ثم قال: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربّهم) سورة آل عمران آية 136. فضمن لهم المغفرة كما قال عقيب اللمم: (إن ربك واسع المغفرة) سورة النجم. راجع تفسير القرطبي 10709.

(2) سورة المائدة آية رقم 18.

(3) نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالاً؛ لأنَّ الأعجمية إذا عرَّبت غيرت عن لفظها، وقيل: سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. هاد: تاب، والهائد التائب. قال الشاعر: إني امرؤ من حبه هائد أي تائب، وفي التنزيل: (إنا هدنا إليك) أي تبنا. وقال ابن عرفة: هدنا إليك أي سكنا إلى أمرك، والهوادة السكون والموادعة.

(4) النصارى: جمع واحد نصراني، وقيل: نصران بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه، والأنثى نصرانة، كندمان وندمانة، وهو نكرة يعرف بالألف واللام. قال الشاعر:

صدّت كما صدّ عمّا لا يحَّلُ له ساقي نصارى قُبيل الفِصْح صُوّام

فوصفه بالنكرة. وقال الخليل: واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى، وأنشد سيبويه شاهداً على قوله:

تراه إذا دار العشا متحنفا ويُضْحي لديه وهو نصرانُ شامِس

ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلاَّ بياءي النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصراني وامرأة نصرانية، ونصّره جعله نصرانياً. وفي الحديث: فأبواه يهودانه أو ينصرانه. وقال عليه السلام: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثمّ لم يؤمن بالذي أرسلت به إلاَّ كان من أصحاب النار.

(5) سورة النساء آية رقم 48.

٢٩٤ / ٤٦٠