الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣فعمدوا إلى البغلة فغيبوها، فلما أحب الانصراف دعا بالبغلة، فقيل له: لم تأت إلينا بالبغلة، فقال لهم: بل أتيتكم بها، فقالوا: بل لم تأتنا بها، فقال: بل أتيتكم بها، فقيل له: ثبت فيما قلت، لعلك أيها الرجل لم تأت على بغلة، فقال لهم: قد ثبت، وعلمت أني أتيت على بغلة بلا شك، ولا مرية، فقيل له: أعلى الحقيقة كان ذلك أم على غير الحقيقة؟ فقال: بل على الحقيقة، فقالوا: أفيكون شيء ويثبت على الحقيقة؟ قال أبو عيسى: فأقرّ عند ذلك بالحقائق، ورجع عن القول بالسفسطة. (1)
(1) - ذكر بعض المتكلمين أن السوفسطائية ثلاثة أصناف: فصنف منهم نفى الحقائق جملة، وصنف منهم شكوا فيها، وصنف منهم قالوا هي حق عند مَن هي عنده حق، وهي باطل عند مَن هي عنده باطل. راجع كتاب الفصل 1/43.
ولقد ردَّ ابن حزم عليهم فقالوا: يقال للشكاك منهم _وبالله تعالى التوفيق_ أشككم موجود صحيح منكم أم غير صحيح ولا موجود…؟ فإن قالوا: هو صحيح منا أثبتوا أيضاً حقيقة "ما"، وإن قالوا: هو غير موجود نفوا الشك وأبطلوه، وفي إبطال الشك إثبات الحقائق أو القطع على إبطالها. المصدر السابق ص 44.