الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٦٤إلى عملها سماع الجملة؟ فلما لم يكن سماع الجملة مؤدياً إلى شيء من الفرائض، ولا تكون الفرائض مسموعة منها، ولا معروفة من قبلها، فلم لا كان سماع الجملة كسماع سائرها من جميع أقاويل الناس، وهذا أوضح بياناً من أن يتكلم فيه بأكثر من هذا.
ويقال لهم: أخبرونا عن قولكم: بأنَّ دعوة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قد سمعها جميع الناس في أول يوم بعثه الله، ودعا بمكة: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) (1) ، متى سمعوا في حين دعائه أم بعد ذلك؟ فإن قالوا: في حين دعائه، قيل لهم: فهل كان جميع الناس موجودين كلهم في ذلك الحين حتى سمعوا بها أو لم يسمعوا؟ أم كيف القصة في ذلك؟ أم كيف حتى يكون من بالمشرق ومن بالمغرب يسمع دعوة رجل بمكة، وهم عنها نايون، إلاَّ أن يكون ذلك على جهة الإعجاز (2) ، فحينئذ يتفق جميع الناس بأنَّهم قد سمعوا بها، ونكون نحن اليوم لها سامعين، وهذا ما قد بان فساده.
وفي هذا الباب حجج كثيرة لم أذكر منها إلاَّ اليسير، فمن أجل ذلك أخذ المسلمون (3) بمقالة سعيد في
(1) سورة الأعراف آية رقم 158.
(2) إعجاز القرآن: "ارتقاؤه في البلاغة إلى أن يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته على ما هو الرأي الصحيح، لا الأخبار عن المغيبات، ولا عدم التناقض، ولا الاختلاف، ولا الأسلوب الخاص، ولا صرف العقول عن المعارضة، ولا إيجاز اللفظ أو كثرة المعنى، وليس إعجازه لمعناه فقط بل هو في المعنى التام كما هو في النظم، ولو كان حاصلاً بدون النظم لم يكن مختصاً بالقرآن، بل يكون بعض الأحاديث معجزاً أيضاً، وهذا خرق الإجماع ". راجع الكليات 1: 238.
(3) يقول الدكتور عمار الطالبي: المسلمون عند المؤلف هم الإباضية، والمخالفون لهم يسميهم الإباضيون موحدين.