الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٦٦لرسوله: (فتول عنهم فما أنت عنهم بملوم) (1) ، فدل على أنَّه قد فعل من ذلك ما أمر به _صلى الله عليه وسلم_، ولو لم يكن رسول الله عليه السلام مبلغاً لرسالة الله التي أرسله بها إلى خلقه لكان يجب أن يكون مفرطاً، ملوماً، وحاش له من ذلك _صلى الله عليه وسلم_.
فإن سأل سائل: قد ذكرت أقاويل المختلفين في الحجة فيما لا يسع الناس جهله، وثبتت أن الحجة لله على خلقه قد قامت عليهم بالرسل التي أرسلها إليهم، ودلّت أن حجة الرسل واجبة على الناس جميعاً (2) ، بالغة إليهم في معرفة جميع ما لا يسعهم جهله، وفي فعل جميع ما لا يسعهم تركه، وفي ترك مالا يسعهم فعله، ودللت على أن ما جاءت به الرسل من ذلك واجب على العباد امتثاله على ما جاءت به الرسل من المعرفة والعمل والترك جميعاً، سمعوا بذلك أو لم يسمعوا، فالآن أخبرني ما الحجة فيما يسع الناس جهله ما هي؟ وما الوجه الذي إذا أورد عليهم كانت المعرفة به واجبة في جميع ما ورد به من ذلك؟ قيل له: ولا قوة إلاَّ بالله، إن هذه المسألة التي سألت عنها قد تنازعت الأمة في جوابها على أقاويل لا تحصى عدتها كثرة، لما يوجد من اختلاف كل طائفة منهم في
(1) سورة الذاريات آية رقم 54.
(2) قال تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) سورة الأنعام آية رقم 83.
والحجة ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال على حدوث الكواكب والقمر والشمس، وعيبهم إذ سووا بين الصغير والكبير، وعبدوا مَن لا ينطق، وإلزامه إيّاهم الحجة (آتيناها إبراهيم) أرشداه إليها بالإلهام. وقال مجاهد: الحجة قول إبراهيم: (فأي الفريقين أحق بالأمن). راجع زاد المسير 3: 78، وتفسير ابن جرير 11: 504.