الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٦٧فروع ما بينهم، سوى الاختلاف في مقالات المختلفين في أصولهم، فلذلك يتعذر تتبعه إلى أقصى غايته؛ لكنني أحصل لك جميعه في ثلاث صفات تحتوي على مذاهب القوم في أصولهم وفي فروعهم، وتكتفي بذلك عن تعدادها إن شاء الله.
فأمّا الوجه الأول منها: فمذهب أهل العدد (1) الذين يذهبون إلى أن العدد هو الحجة، على قدر اختلافهم في الأعداد، وأكثر القائلين بهذا من الناس أهل القدر.
والوجه الثاني: ما ذهب إليه أهل التواتر (2) ممن يزعم أن الحجة لا تقوم فيما يسع الناس جهله حتى تتواتر به الأخبار، فحينئذ تتأكد المعرفة، ولهم في صفة التواتر اختلاف وتنازع كثير، تغنيك هذه الجملة عن تفصيله إن شاء الله.
والوجه الثالث: مقالة مَن يقول إن ورود الحق على الناس بصفته التي هو بها الحجة عليهم في معرفة جميع ما يسعهم جهله من قبل وروده، ولا تعتبر في ذلك عندهم عدّة الواصفين قلوا أو كثروا، ولا ينتظر به تواتر الأخبار حتى تتفق أو تختلف، فإلى هذه الوجوه الثلاثة تأوي جميع مذاهبهم في هذا الباب إن شاء الله.
(1) العدد: أحد المفاهيم العقلية الأساسية، وهو بهذا الاعتبار لا يحتاج إلى التعريف، إلاَّ أن بعض العلماء يعرفونه بنسبته إلى غيره من المعاني القريبة منه فيقولون: العدد هو الكمية المؤتلفة من الوحدات، أو الكمية المؤلفة من نسبة الكثرة إلى الواحد، ويسمى بالكم المنفصل؛ لأن كل واحد من أجزائه منفصل عن الآخر دون اشتراك بينهما.
وعلم العدد: هو العلم الرياضي المحض، وينقسم إلى علم الكم المنفصل كالحساب والجبر، وعلم الكم المتصل كعلم الهندسة وعلم اللانهايات. راجع التعريفات 128، 129، والكليات 3: 253، 254.
(2) التواتر: من حيث الرواية هو أن يرويه جماعة لا يتصوّر تواطؤهم على الكذب، فيكفر جاحده.
وأمّا التواتر: من حيث ظهور العمل به قرناً فقرناً من غير ظهور المنع والنكير عليهم في العمل به، غير أنهم ما رووه على التواتر؛ لأنَّ ظهور العمل به أغناهم عن روايته، فجاحد هذا المتواتر لا يكفر لمعنى عرف في أصول الفقه.
ويقول صاحب كتاب جامع الشمل: التواتر خبر أقوام عدول زال عنهم اسم الجهالة، موثوق بقولهم عن أمر محسوس، يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، بخلاف النظري لجواز الغلط فيهم، فإن الجمع العظيم لو أخبر عن حدوث العالم أو غيره من النظريات لم يحصل للعلم بخبرهم. راجع الكليات 2: 96، والتعريفات ص: 63، وجامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل 2: 349، 350.