الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٦٩تلتفت إلى عدّة القائلين في ذلك، فهل تقول إن الواحد من الناس في الحق حجة؟ قيل له: نعم إن الواحد حجة في جميع دين الله، إذا كان هو من أهل دين الله، ولا يوجد على ما وصف من حجة الله مزيد، ولا لما قال من ذلك خلاف.
فإن قال: فمن أين علمت ذلك من الأصل (1) أو من الفرع؟ قيل له: من الأصل ومن الفرع جميعاً، أمَّا من الأصل: فإني وجدت الله حاج عباده فيما تعبدهم به برسول واحد، وقطع بذلك عذرهم، ولو كان الواحد لا يكون حجة لما كان الله يقيم به حجته على خلقه، ويقطع بذلك معاذيرهم، ثم إنّي وجدت من فعل رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ أنّه يرسل إلى الناس في آفاقهم رسولاً واحداً يحتج به عليهم، ولو كان لا يكون حجة إلاَّ ما ذكروا من العدد لما كان رسول الله يرسل إلى الناس إلاَّ جماعات، وفي هذا أيضاً ما يفسد على أهل التواتر مذهبهم، إلاَّ يكون رسول الله يقطع على أحد من الناس إلاَّ بأن يعلم بتواتر الأخبار عليهم.
وأمّا من الفرع: فإني وجدت الأمة تولي واحداً، وتستفتي واحداً، وتستعمل واحداً، وتستقضي واحداً، فيكون ذلك الواحد حجة عندهم في كل ما هو فيه، ولو كان لا يكون الواحد حجة لما كانت الأمة تجتمع على ما وصفنا من فعلهم ذلك.
(1) الأصل: في اللغة عبارة عما يفتقر إليه ولا يفتقر هو إلى غيره. وفي الشرع عبارة عمّا يبني عليه غيره، ولا يبني هو على غيره. والأصل ما يثبت حكمه بنفسه ويبني عليه غيره.
والأصول من حيث إنها مبنى وأساس لفرعها سميت قواعد، ومن حيث إنها مسالك واضحة إليها سميت مناهج، ومن حيث إنها علامات لها سميّت أعلاماً. راجع التعريفات 22، والكليات 1: 189، ومقدمة ابن خلدون 284.