الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٨٦وكذلك إن سألوا عن العدد، والتغاير، والإضافة، وأشباهها كان الجواب لهم في كل ذلك كالجواب لهم فيما تقدم، وبمثل هذا من الغلط غلط أبو بكر الأشعري (1) وأصحابه في صفات الله عزّ وجلّ، لما قالوا فيها بالتغاير، والعدد؛ وذلك أن هؤلاء الآخرين لما سمعوا بذكر العلم والقدرة والحياة والعزة والسمع والبصر وسائر الصفات قالوا: فلن تجوز أن تكون هذه المعاني كلها معنى واحد، بل هي معان متغايرة متعددة، فلما أن أثبتوا صفات الله معاني متغايرة متعددة التمسوا لهذه المعاني المتغايرة المتعددة محلا يحلونها به، ومقام يقيمونها فيه فلم يجدوه، لما كان الله في أزيلته ليس معه شيء غيره، فلما لم يجدوا لما أقدموا عليه من القول بهذا مخرجا سقط في أيديهم، ورأوا أنهم قد ضلوا، فتجاسروا على القول بأنها حالة بالصانع جل جلاله، قائمة بذاته، تعالى الله عن ذلك علوا كبير.
وما أنساني هؤلاء أن أذكرهم بالرد عليهم في موضعهم إلا الشيطان، وما عسى أن أرد عليهم بأقبح من مقالتهم، حيث زعموا أن الله جل جلاله محل للأشياء، وأثبتوا أن ذاته مقام للمعاني، وضاهوا بذلك قول اليعقوبية (2) من النصارى، حين قالوا: إنها ثلاثة أقانيم (3) لم تزل ذات جوهر واحد على ما وصفنا من مقالة اليعقوبية في موضعها، بل زاد هؤلاء الأشعريون على النصارى لما كانت النصارى تأبى من التغاير، ولا تقول به، وهؤلاء الأشعريون يثبون التغاير، والعدد
(1) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر أبو بكر: قاض من كبار علماء الكلام، انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة عام 338هـ، وسكن بغداد فتوفي بها عام 403هـ.
كان جيد الاستنباط، سريع الجواب، وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه "إعجاز القرآن"، و"الإنصاف"، و"مناقب الأئمة"، و"دقائق الكلام"، و"الملل والنحل"، و"كشف أسرار الباطنية" وغير ذلك كثير. راجع وفيات الأعيان 1: 481، وقضاة الأندلس 37 ـ 40، وتاريخ بغداد 5: 379، ودائرة المعارف الإسلامية 3: 394، والوافي بالوفيات 3: 177، وتبيين كذب المفتري 217 ـ 226.
(2) اليعقوبية: أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة، إلاَّ أنهم قالوا انقلبت الكلمة لحماً ودماً فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده بل هو هو، وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) المائدة آية 72، فمنهم مَن قال: إن المسيح هو الله تعالى، ومنهم مَن قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الجوهر لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل صار هو هو.
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد وأقنوم واحد إلاَّ أنه من جوهرين، وربما قالوا طبيعة واحدة من طبيعتين. راجع الملل والنحل للشهرستاني ج2 ص30، 31، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 2: 193 ـ 194.
(3) الأقنوم: الأصل والجوهر. والأقانيم الثلاثة عند المسيحيين هي الأب، والابن، والروح القدس. وعند الإسكندرانيين هي النفس الكلية، والعقل، والواحد. وقيل: إن أفلوطين أول مَن أدخل هذا اللفظ في اللغة الفلسفية، ثم استعمله كتاب عصره من المسيحيين، وأطلقوه على الأب والابن والروح القدس.
وجملة القول: إن الأقنوم عند قدماء الفلاسفة هو الحقيقة الوجودية.
والأقنومي هو الجوهري، ويطلق عند اللاهوتيين على اتحاد الطبيعة الإنسانية بالطبيعة الإلهية، بحيث تكون الثاني هي الحامل أو الجوهر الذي به تقوم الأولى.