الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٨(فمن تطوع خيراً فهو خير له) (1) غير أن وجوب الإمامة إنما يلزمهم بالذي وصفنا من حال القوة في العدة والعدد والمال والعلم، قال الله عزّ وجلّ: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (2) الآية، وهذا عند العلماء في صدر الإسلام، والمسلمون إذ ذاك في عدة قليلة، فلمّا أن فتح الله على رسوله، وأظهره الله على دينه نقلهم إلى الرخصة والتخفيف، وقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) (3) الآية، فإذا كان المسلمون لم يبلغوا من عدد عدوهم في النصف، وليست لهم مقدرة بأمر الإمامة كان أحب الأمور إلى العلماء وأولاها أن يقيم المسلمون على ما هم عليه من حال الكتمان، فكان ذلك واسعاً لهم، إلاَّ أن يجعلوها حال الشراء، والشراء من أحبّ الأمور إلى الله عزّ وجلّ وإلى المسلمين إن لم يكونوا يقدرون على الظهور والدولة، وهي أقرب المسالك إلى الظهور، غير أن علماءنا لم يجعلوا حال الشراء في الوجوب والفرض كحال الظهور والدولة، فمَن شاء فليشر نفسه ابتغاء مرضاة الله، ومَن شاء أقدم مكتتماً بين ظهراني قومه. هذه سيرة المسلمين لم ينقسم فيها خارجهم من مقيمهم، ولا مقيمهم من خارجهم، وليس الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه غالية الخوارج أن المسلمين لا تسعهم الإقامة مع الجبابرة في الكتمان، مقدرين أو غير مقدرين، قال الله عزّ وجلّ: (لا يكلف الله نفساً إلاَّ وسعها) (4) ، وقد أقام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ برهة من الزمان
(1) سورة البقرة آية رقم 184.
(2) سورة الأنفال آية رقم 65.
(3) سورة الأنفال آية رقم 66، وفقد جاءت الآية محرّفة في المطبوعة، حيث جاءت (تكن) بدلاً من (يكن).
(4) سورة البقرة آية رقم 286.