الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٣٠٤

ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله، فأول ذلك: أنَّه لما أبرأ لهم الأكمة (1) والأبرص (2) حاروا وشكوا، وقالوا: هذا شبيه ما يأتي به أهل صناعة الطب، فلما أن أحيا لهم الموتى زادت الدلالة وتأكدت الحجة، حتى خلق لهم شيئاً لم يكونوا يرونه بين أيديهم، ونفخ فيه فأحياه لهم، فجاءهم بأعظم من الثانية والأولى، وبعث الله محمداً _صلَّى الله عليه وسلَّم_، والغالب على العرب حينئذ الفصاحة والبلاغة في الخطب والشعر، فتنافسوا في ذلك وتسابقوا إليه، إلى أن صار كل من أنشأ منهم قصيدة أو أشدى خطبة يفتخر بها، حتى إنَّ منهم من علق شعره على الكعبة، ومنه سميت المعلقات (3) المشهورات؛ لأنَّ أصحابها أو غيرهم من العرب علقوها عند الكعبة، أو في سوق عكاظ على اختلاف الروايات في ذلك، فأتاهم رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_ بهذا القرآن العظيم، والذكر الحكيم، وما فيه من اتساق الكلم، وعجائب النظم،

(1) - المعروف عند العرب من معنى "الكمه" العمى. يقال: منه كمهت عينه فهي تكمه، وأكمهتها أنا إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل:

كمهَّت عينيه حتى أبيضتا فهو يلحي نفسه لمَّا نَزَعْ

ومنه قول رؤبة:

هرَّجتُ فارتد ارتداد الأكمة في غائلات الحائر المُتَهتهِ

(2) - البرص: داء معروف، وبابه ضرب، فهو أبرص، وأبرصه الله. وسَامُّ أبرص من كبار الوزغ، وهو معرفة، تعريف جنس، وهما اسمان جعلا واحداً، فإن شئت أعربت الأول وأضفته إلى الثاني، وإن شئت بنيت الأول على الفتح، وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف.

(3) - عُرفت حيناً بالمعلقات السبع، وحيناً آخر بالمذهبَّات، وسميت كذلك بالسمُّوط، والمشهورات، والمشهورة كما سماها الباقلاني في إعجاز القرآن. والشهرة المستفيضة لهذه المعلقات أنَّها علقت على ركن من أركان الكعبة. يقول ابن خلدون (808) في مقدمته: حتى انتهوا إلى المناغاة في تعليق أشعارهم بأركان البيت الحرام موضع حجهم وبيت إبراهيم، كما فعل امرؤ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، وعنترة بن شداد، وطرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، والأعشى من أصحاب المعلقات السبع وغيرهم. راجع المقدمة ص 532، والخزانة للبغدادي 1/61 بولاق.

٥١ / ٤٦٠