الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٣٣٨لا ينسخ أبداً، فإن دعوا أنَّ النقل جاءهم بذلك عن نقل لا يكذب مثله، قلنا: ومتى اتّصل لكم النقل بما ادعيتم من ذلك فيما بينكم وبين موسى عليه السلام، مع ما لا تشكون فيه من غلبة (بختنصر) (1) على بيت المقدس، وتحريق أسفار التوراة، وسائر ما في أيدي بني إسرائيل من كتب التوراة، ومن قتل جميع رجالهم، وسبي من سبي من صبيانهم، وحملهم إلى أقاليم بابل (2) ، فكيف يصح مع هذا نقل ما نقل إليكم من ألفاظ التوراة وغير التوراة حتى تتيقنوا أنه لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن قالوا: إنَّ العزيز كان ممن سباه بختنصر من صبيان بني إسرائيل، فجدد الله عزّ وجلّ به التوراة؛ بأن ألهمه إياها، حتى كتبها على هيئتها بعد غلبة بختنصر، وخراب بيت المقدس، قلنا: وأي جماعة دونت لكم ذلك عن العزيز، وحفظت عنه، واستفاض منها؟ أوليس المحفوظ من أهل المعرفة بالتواريخ أنَّ إلهام الله العزيز التوراة إنما كان في آخر عمره وعند وفاته؟ وأنَّه لما كتبها اشتكى شكيته التي مات منها، ودفعها إلى تلميذ من تلاميذه، وأمره أن يقرأها على الناس بعد وفاته، فعن ذلك التلميذ أخذها الناس ودونوها، وزعموا أنَّ ذلك التلميذ هو الذي أفسد أشياء من التوراة وحرفها، وزاد فيها، ونقص منها، فما كان هذا سبيله، وهذا قول
(1) بخت نصر: يذكر البيروني أنَّ الصيغة الفارسية لاسم بختنصر هي "بخت نرس"، وقيل في تفسيره: إنَّه كثير البكاء والأنين، أما الصيغة العربية له فهي بختنصر.
وقد وردت قصته في الكتاب المقدس عن اليهود والنصارى، وجعله بعض المؤرخين مرزباناً على العراق يحكم باسم ملك الفرس، حيث كانت دار مملكته بلخ (المسعودي: مروج الذهب، 1: 117)، وبعد أن فتح بيت المقدس سجن الملك منسى.
وجاء في الكتاب المقدس أنَّ الذي سبحن هو صدقياً (الطبري 1: 491).
ويقول المسعودي: إنَّ عدة من سباهم بختنصر من بني إسرائيل ثمانية عشر ألفاً، وأنَّه أخذ التوراة وطرحها في بئر، ولما رجع بنو إسرائيل إلى بلادهم أخرجوا التوراة من البئر. (المصدر السابق).
(2) بابل هي مدينة ببيلون القديمة على شاطئ الفرات، وهي على خط عرض 41، 30، 32 شمالاً، وخط طول 30، 23 شرقي جرينوتش، وكان لهذه المدينة شأن عند المسلمين.
وقيل: إنَّ آدم نفسه بعد خروجه من الجنة، وكذلك قابيل وهابيل كان مقامهم في بابل (ياقوت 1: 45). ويقول ابن الفقيه ص 196: إنَّ أول مدينة بنيت في العالم هي حران، والثانية بابل، وينسب برج بابل إلى النمرود، ويسمى (المجدل)، راجع البكري 136. وكانت مقام النمرود بن كنعان؛ وهو أول من ملك الأرض، واستشار المنجمين، وشق القنوات (انظر ابن الفقيه 199، والاصطخري ص 101/860، والمسعودي كتاب التنبيه 94 نقلاً عن التوراة، وص 105 / 106 مروج الذهب).