نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ١٤٣محفِّزا على العمل والجدِّ والتنافس، ومُيسِّرا لتقديم الخدمات المختلفة بين الأفراد، إذ لو تساوى الناس لانعدم التبادل والتعاون. إلاَّ أنَّ هذا التفاوت الذي يسمح به الإسلام، هو تفاوت منضبط ومتوازن، أي بالقدر الذي يحقِّق التكامل لا التناقض، والتعاون لا الصراع، بحيث لا يؤثِّر على التوازن الاقتصاديِّ في المجتمع.
ثالثا: شرعيَّة الملكيَّة الخاصَّة متوقِّفة على ضمان حدِّ الكفاف:
إنَّ الملكيَّة الخاصَّة لها حرمتها في الإسلام، فقد وضع لها الضمانات الكافية لحمايتها، إلاَّ أنَّ هذه الحرمة مشروطة بضمان حدِّ الكفاف لِكُلِّ مواطن كحدٍّ أدنى، بحيث إذا وجد في المجتمع الإسلامي جائع واحد فإنَّ حقَّ الملكيَّة الخاصَّة في الأقوات لا يُحترم، وهو معنى قول الرسول J : « إذا بات مؤمن جائعا فلا مال لأحد»(1)، إلى جانب الجريمة التي تقترف في حقِّ الإنسانيَّة، بل اعتبر الفقه ذلك من باب قتل نفس بغير حقٍّ، يقول الإمام ابن حزم:
«إذا مات رجل جوعا في بلد، اعتُبر أهله قتلة، وأخذت منهم دية القتيل»(2).
وإذا تقاعس المجتمع عن ضمان حدِّ الكفاف، يحقُّ للفرد أن يطلب حقَّ الحياة من أفراد المجتمع، وإن أبوا عليه أخذه أخذا ولو باستعمال القوَّة، ولا يعدُّ غاصبا أو متعدِّيا، يقول الصحابيُّ الجليل أبو ذرٍّ رضي الله عنه في وصف هذه الوضعيَّة: «عجبت لمن لم يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه»(3)، وهي حالة لا يصل إليها المجتمع الإسلاميُّ القائم على التضامن والتكامل، والذي تقوم فيها الأمَّة وأفرادها بواجبهم في العمل أوَّلا، ثُمَّ بواجب الإنفاق والصدقات.
(1) أخرجه أبو داود.
(2) ابن حزم: المحلَّى، مرجع سابق.
(3) الفنجري: الإسلام والمشكلة الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص71. نقلا عن: عبد الحميد جودت السحار: أبو ذرٍّ الغفاري، مطبوعات مكتبة مصر، ص8.