نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ١٥٦الحقيقة، كيف تحرَّجوا في كيفيَّة الإنفاق، ماذا ينفقون وما يبقون؟ فذهبوا إلى رسول الله J يسألونه ماذا ينفقون؟ وقد تكرَّر هذا السؤال أكثر من مرَّة، وسجَّل القرآن موقفين في سورة البقرة.
أ) ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ [البقرة:215]، وقد أجابت هذه الآية لمن يكون الإنفاق ورتَّبته حسب الأولويَّة.
ب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة:219] فقد حدَّدت هذه الآية معيار ووعاء الإنفاق وهو العفو، وقد ذكر المفسِّرون ستَّة تأويلات لمعنى العفو(1)، إلاَّ أنَّ أرجحها هو ما فضل عن الأهل.
ونظرة القرآن إلى الإنفاق تعطى بعدا عقديًّا مرتبطا بإيمان المسلم باليوم الآخر، وشعوره بوجوب تعاونه وتآزره للأخوَّة في الإيمان، فحين يأمر بالنفقة لا يبيح أن يكون ذلك في الترف والبذخ، وهي نظرة تختلف عن نظرة الاقتصاد الوضعيِّ للإنفاق.
يظنُّ غير المؤمن أنَّه إذا أنفق المال افتقر وإذا جمعه تموَّل، ويقول القرآن ويؤكِّد أنَّ الله يبارك في مال الرجل إذا أنفق منه ويضاعفه له: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:268].
ويظنُّ غير المؤمن أنَّ ما ينفقه من مال يضيع إلى غير رجعة، ويقول القرآن: إنَّ المال لا يضيع بالإنفاق، بل يعود على صاحبه بالخير العميم: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:272].
لا شكَّ أنَّ هذه النظريَّة غريبة في نظر الاقتصاد الوضعيِّ، إذ من الغريب حقًّا أنَّ يزيد المال بالإنفاق، ويرجع على صاحبه لا بتمامه بل مع فائدة مزيدة: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:39]، فالإسلام
(1) محيي الدين عطيَّة: الكشَّاف الاقتصادي، مرجع سابق، ص112.