نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٤٤المبحث الرابع
ضوابط الاستخلاف
لم يستخلف الله الإنسان على الأرض عبثا، وإنَّما لرسالة سامية يحملها، فقد رسم الله له الحدود، وبيَّن له المعالم، بواسطة كتبه المنزَّلة على أيدي رسله، وبما أودعه في عقله من نعمة التفكير والتمييز. فالاستخلاف مؤقَّت ومقيَّد، فهو مؤقَّت بمشيئة الله لمدَّة، ثُمَّ يعود ميراث الأرض لله مالكها الأصليِّ والأزليِّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:40](1)، فالآية تعلن وراثة الله تعالى لِكُلِّ ما في أيدي البشر، فكان الناس يحوزون ما يحوزونه وديعة أو عارية من الله، وأنَّه مؤقَّت لمدَّة محدَّدة، ثُمَّ يستردُّها خالقها ووارثها.
وهو استخلاف مقيَّد وليس مطلقا، فقد بيَّنت الشريعة أصوله وقواعده، فلم يترك أمر الناس فوضى دون تنظيم، فهو مقيَّد بقيود حدَّدت مداه وكيفيَّته، ووضَّحت طريقة الانتفاع والتمتُّع بما سخَّره الله تعالى للإنسان(2).
يقول الأستاذ سيِّد قطب في شأن الملكيَّة: «فهي ملكيَّة معارة له، خاضعة لشروط المالك الأصليِّ وتعليماته، فإذا تصرَّف المستعير تصرُّفا مخالفا لشروط المالك وقع هذا التصرُّف باطلا، وتحتَّم على المؤمنين ردُّه، أَمَّا في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط الملك صاحب الملك الأصيل(3).
وإذا قيل هذا في الملكيَّة التي هي أبرز مظاهر استخلاف الإنسان، فإنَّ القول ينسحب على قضيَّة الاستخلاف العامَّة، والاستخلاف على الأموال بصفة أخصَّ.
(1) سورة مريم، آية 40.
(2) العبادي: الملكيَّة في الشريعة الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص410.
(3) سيِّد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، ج5، ص247.