تنوير العقول في علم قواعد الأصول (السفر الثالث من الحق المبين والحق اليقين) ناصر بن أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي أبو محمد

تنوير العقول لابن أبي نبهان تحقيق؟؟

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

فصح أن العهد لا يزيد في أحكام لزوماً و لا تبديلاً ، فلا يكون العهد في المباح لازماً ، و لا في المحرم واجباً ، و لا في المكروه وسيلة ، و لا في الوسيلة مكروهاً ، فلا تتبدل أحكام الله تعالى بسبب عهد المتعاهدين على شيء من الأمور ، و لقد رأيت من ظن نفسه أنه من أهل الورع ، اتخذ صاحباً له و عاهده على أن تكون عليك طاعتي فرضاً لازماً في كل أمر يجوز لك أن تطيعني فيه و إلا صرت هالكاً ، فدان بلزوم طاعته في كل ما يجوز له أن يطيعه فيه ، و إن خالفه فهو هالك بسبب العهد منه كذلك .

و لا شك أنه أضله الشيطان بذلك ضلالاً بعيداً ، و دان بما لم يلزمه في دين الله الوفاء به ، فكان في نفسه أنه لو أراد أن يشرب ماء حلالاً له ، و كان لا يلحقه بترك الشرب في ذلك ، و قال له لا تشرب ، فإذا خالفه و شرب يكون هالكاً ، ومتى أراد النوم و نهاه [133/ج] فخالف كان هالكاً ، و متى أراد القيام أو الجلوس و نهاه كان هالكا تعالى الله أن يبدل دينه بلعب اللاعبين ، فكان المعنى " أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ "(1) في معنى الوفاء بعقود العهود إن حكموا[75/أ] بما هو فيها واجبا وفائها بحكم الواجب فيها ، و في حكم وفائه وسيلة بحكم الوسيلة ، و في موضع حكم الوفاء على معنى المباح بحكم الإباحة ، و في حكم المكروه وفاؤه بحكم المكروه في وفائه و في حكم المحرم وفاؤه بحكم التحريم في وفائه ، فالوفاء بعقود العهود الحكم[142/ب] في كل شيء بما يخصه حكمه ، و إلا صار من التعدي عن الوفاء به على موجبه ، و ليس في الآية تخصيص لكل وجه بما يخصه وإنما هو على لفظ العموم ، و لا يجوز إجراء معناه على أنه أمر على العموم و الحق هو على ما ذكرناه و لا ما سواه ، فلا يجوز العمل بالتنزيل في كل آية على ظاهر لفظها ، و من عمل بظاهر لفظها فيما لا يجوز له بلا اختلاف فقد ضل و لا يسعه ذلك فيما لا يسعه كذلك .

[حديث التقرب إلى الله تعالى]

(1) سورة المائدة:1.

١٧٤ / ٣٨٢