الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٥فصل
من أجاب -قيل- ناطقا فقد عبده، فإن كان من الله فقد عبد الله، وإن كان من إبليس فقد عبده، وعبادته طاعته فيما دعاه إليه من المعاصي. وقيل: الخاطر من الله ابتداء، قد يكون إكراما وإلزاما للحجَّة؛ وقد يكون امتحانا وتغليظا في المحنة، والذي من الملَك لا يكون إلاَّ بخير كأنَّه الناصح المرشد، والذي من الشيطان لا يكون إلاَّ بشرِّ إغواءٍ وإضلال. وقد يكون بخير مكرا واستدراجا.
والذي من قبل (117) النفس لا يكون إلاَّ بشرٍّ، وربَّما يدعو إلى خير والمقصود منه شرٌّ. والفرق بين الخواطر أنَّ كلَّ ما وافق الشرع، والاقتداء بالخير فهو خاطر خير، وكذا إن عرض على النفس فنفرت [39] منه نفرة طبعٍ لا خشية وترهيب، فخاطر خير أيضا (118)، وإن مالت إليه ميل طبع وجبلَّة فهو شرٌّ لأنَّها أمَّارة بالسوء، لا تميل إلى خير فلا مخلص منها، ومن دواعي ظهيرها - وهو الشيطان - إلاَّ برحمة من الله وهي العصمة وهي تختصُّ بالأنبياء عليهم السلام، وهاهنا كلام حسن ذكرته في أواخر النِّيل عن بعضهم.
وقيل الذي من قِبل النفس يكون ثابتا راكزا في القلب، والذي من الشيطان يكون مضطربا متردِّدًا. وإن كان عقب ذنب ارتكبه الإنسان فهو من الله إهانة وعقوبة له بشؤم ذنبه. وإن وجدتَ (119) الخاطر لا ينقص ولا يضعف فهو من حديث النفس، وإن كان يضعف تارة ويقوى أخرى، وحينا ينقص وحينا يزيد فمن الشيطان.
وقيل: إن كان قويًّا مصمِّما فهو من الله، وإن كان متردِّدا فهو من الملَك، لأنَّه كالناصر الراجي للإجابة والقبول. وإن كان عقب اجتهاد وطاعة فمن الله أيضا.
والخاطر الذي من الشيطان خيرا استدراجا إلى الشرِّ هو ما إذا كان العبد راغبا فيه، مبادرا إليه، فلا خوف منه معه من الله فيه، ومع بصيرة من أمره، ونشاط إليه، فهذه أمارات ترشد المهتدي، عصمنا الله من الشيطان ومكائده.