الجزء الثاني عشر
الجزء ٤ · صفحة ٨٧الباب الأوّل
في تحليل الأموال وتحريمها وما جاء في ذلك
قال الله تعالى: ﴿يآأيّها الذين ءامنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطلِ﴾ الآية (سورة النساء: 29). إلى يسير معناها لا يقتل بعضكم بعضا ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ حيث كفّ بعضكم عن بعض وكان جابر إذا تلاها قال: «كبيرتان إلى النّار الدماء والأموال، فالربا وأكل أموال اليتامى ظلما والتجارة الفاسدة، وحلوان الكاهن وأجرة الزانية، والنائحة، ورشوة الحاكم، وشاهد الزور، وكلّ ما لم يأذن به الشرع من الباطل». وقال صلّى الله عليه وسلّم: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». وقال أيضا: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه أو بميراث من كتاب الله أو بيع عن تراض».
واختلف في الأموال، أهي في الأصل مباحة أو محظورة، فقيل: لا، ولا، لأنّ الحظر والإباحة لا يكونان إلاّ من مبيح وحاظر، واختلف القائلون بذلك، فقال بعضهم: لا يجوز تناول بشيء (1) منها حتّى يقوم دليل بإباحته؛ وبعضهم: يجوز لنا تناول اليسير منها لنقيم به أجسامنا، ونحيي به أرواحنا كالمضطر، لأنَّه ليس من صفة الحكيم أن يخلقنا محتاجين إلى الأكل والشرب ثمّ يمنعنا منهما.
وقال قوم: إنّ الأموال في الأصل مباحة لا محظورة، لأنَّه تعالى خلق الدنيا وما فيها لمنافع الخلق.
وقد روي: إنّ الأشياء مباحة إلاّ ما حرّم الله في كتابه، أو بيّنه الرسول في سنّته، أو أجمع المسلمون على تحريمه.
وقال أصحابنا وكثير من مخالفيهم: إنّ الأموال في الأصل محظورة، لأنَّها ملك لمالك، فليس لنا أن نتصرّف في ملك الغير إلاّ بإباحة منه وإذن فيه، وهو الأصحّ، لأنّ القائل: إنَّها مباحة وأنّ الراكب لمّا لا يعلم سالم، ولو ركب محرّما عليه بجهله أباح