الجزء الثاني
الجزء ١ · صفحة ١٨٠أبو عبد الله: مَن كلَّما أذنب تاب، وكان على ذلك إلى أن مات تائبا فليس بمقيم على الذنوب، وإنّما المقيم هو المصرّ عليها، ومن كان كذلك وقد تقدّمت ولايته فهو عليها، وعُلم قبول توبته وهلاكه عند الله، فإذا تاب وثبت عقله، وجاز إيصاؤه وإقراره رُجي له قبولها، فإذا تغرغر وصار لا يجوزان منه ثمّ تاب لم يرجع إلى ولايته.
ابن روح: لا يتعاظم عند الله ذنب مع صدق التوبة، [72] ولا يتصاغر عنده مع الإصرار، ولو أنّ رجلا ابتُلي بقتل ما لا يُحصى من الأنفس ظلما ثمّ علم الله منه صدقها والديانة بالتخلّص ثمّ مات قبله، لكان وليا.
أبو عبيدة: إن أصاب قوم أموالا ودماء ثمّ قال بعضهم لبعض: أصبنا ذلك برأي لا بدين، ثمّ قُتلوا عقِب قولهم قبل أن يُعلم منهم التخلّص، فهم في الولاية لاعترافهم، ولا يرى هلاك فاعل ذلك إن لم يجد وفاء وعُلم منه صدق التوبة لما رُوي: ((إنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
وعلينا أن لا نؤيِس طالبها من الرحمة، فكلّ دائن بحقوق الإسلام ديانة الصادقين فغير مصرّ ولو لم يوص بها لإمكان نسيانه أو عدم تمكّنه من الوصيّة؛ وتوبة النبّاش ردّ الثياب أو قيمتها في أكفان الموتى والتوبة، ويُروى: ((إذا تاب إليّ عبدي، أنسيت جوارحه ذنوبه والبقاع والحفظة حتّى لا يشهدوا عليه غدا)).
وعلامة التوبة النَّصوح قلّة الطعام والمنام والكلام، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ الآية (سورة الزمر: 54)، فالإنابة -قيل- الرجوع عن الغفلة إلى الذكر مع طهارة القلب، وقيل: إنابة القلب رجوع العبد إلى ربّه بنفسه وقلبه وروحه، وإنابة النفس اشتغالها بخدمة الربّ، وقيل: إنابة القلب تخليته ممّا سوى الله، وإنابة الروح دوام الذكر حتّى لا يذكر غيره، وقيل: معنى أنيبوا إلى ربّكم ارجعوا إليه بالتضرّع والدعاء، وفوّضوا الأمر إليه، وقيل: الإنابة تورث البهاء في الوجه، والنور في القلب، والقوّة في الجوارح، والأمن والعافية، والمحبّة في القلوب، وقيل: الإنابة أبلغ من التوبة.