الجزء الثالث عشر
الجزء ٤ · صفحة ١٣٩الباب الأوّل منه
في المساجد وفضلها وما يجب لها وما يجوز فيها
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إنّما يعمر مساجد الله … ﴾ الآية (سورة التوبة: 18). وقال أيضا: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع … ﴾ الآية (سورة النور: 36). فعمارتها ليس ما يفعله النّاس من حسن البناء، وإصلاح الجدر، وتزيين الغماء، وإنّما هي أن تصان من الأنجاس ودخول أهل الشرك والحائض والجنب، إلاّ من عذر أو خوف كما مرّ. وأن لا ترفع فيها الأصوات، وأن لا بخصومة، وعن بيع وشراء وإقامة حد، وعن صناعة، وقبيح قول وفعل، وخوض فيما لا يعني، ودخول الصبيان، والمجانين، والأموات، والبهائم، والسباع، والبزاق، والنخاع، والمخاط، والبول، والغائط؛ وأن لا تنشد فيها الأشعار بألحان، ولا تسلّ فيها السيوف، وأن لا تتّخذ طريقا ولا سوقا، ولا تنشد فيها ضالّة، ولا يمرّ فيها بلحم. وأن لا تبنى بالتصاوير ولا بالقوارير، وأن لا ينفخ فيها بمزامير، ولا توقد فيها نار وإن لاصطلاء، إلاّ من عذر وضرورة ونحو ذلك.
وحاصله أن تصان من كلّ ذلك، وأن ترفع ويذكر فيها اسمه بالأذان والصلاة والذكر والقرآن، ومدارسة العلم. وتكنس ويخرج منها القِذى؛ وتكسى بالحُصر إن أمكن، وإلاّ حصّت بالحصى فإنّه سنّة، لما روي أنَّه قال صلّى الله عليه وسلّم: «أحصبوا مسجدنا من هذا الوادي». يعني العقيق.
والمساجد بيوت الله في أرضه بنيت بالأمانة، وشرّفت بالكرامة، وزِينتُها نظافتها، وتعظيمها ذكر الله فيها.
قال ابن منبه بلغ ابن عبّاس أنّ ناسا جلسوا في المسجد الحرام يختصمون حتّى ارتفعت (1) أصواتهم فانطلقنا إليهم فقال لهم: أخبركم بالكلام الذي قاله الفتى لأيُّوب عليه السّلام وهو في بلائه، فأنعموا، قال: قال له: أما كان في عظمة الله وذكر الموت ما يكلُّ لسانك، ويقطع قلبك، ويكسر حاجتك يا أيوب أنّ لله عبادًا