الجزء الثالث عشر
الجزء ٤ · صفحة ١٤٠أسكنتْهم خشيته بلا عيٍّ ولا بكم، وأنَّهم النبلاء النطقاء الفصحاء العلماء بالله وبآياته، ولكنّهم إذا ذكروه تقطّعت قلوبهم، وكلّت ألسنتهم، وطاشت عقولهم فرقا منه وهيبة له؛ فلمّا استيقنوا بذلك تفرّقوا إلى الله بالأعمال الزاكية والقلوب الخاشعة والعيون الدامعة لا يستكثرون معه الكثير، ولا يرضون له بالقليل، يعدّون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين، وأنَّهم لا برا البراء (2)، ويعدّون أنفسهم المضيّعين المفرّطين وأنَّهم لأكياس أقوياء، ناحلون ذابلون، قد برأهم الخوف، وغيّر ألوانهم الخشوع، يراهم الجاهل فيقول: بالقوم مرض وما بهم من مرض، وخولطوا وما بهم من مخالطة. ففي هذا دليل على حرمة المساجد.
وبعضها أفضل من بعض لما روي: «لا تشدّ الرحال إلاّ لثلاث مساجد: الحرام، ومسجد النبيء صلّى الله عليه وسلّم، ومسجد ابليا (3) وهو بيت المقدس». وقال أيضا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف فيما سواه إلاّ المسجد الحرام».
وقد رغِّب في بناء المساجد لما روى عنه الصدّيق: «من بنى مسجدا لله ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنّة».
وندب لمن يبني مسجدًا لله أن يتخيّر له موضعا حلالا لا شبهة فيه، وكذا ترابه وما يحتاج إليه؛ ويكون في متوسط للنّاس لا يشقّهم الوصول إليه، قريبا من الماء، واسعا للصلاة والذكر، لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم رأى قوما من الأنصار قد أسّسوا بناء مسجد فقال لهم: «وسّعوه تملؤوه، وكلّ ما كثر أهله كان أفضل».
ولا يبنيه رياء وسمعة، ولا يزيّنه بخضرة وصفرة ونقوش، ولا يجعل عليه الشرف، لما روي عن ابن عبّاس: «أمرنا أن نبني المساجد جمّا، والمدائن شرفا». والجم: الذي لا شُرف له، ومنه الشاة (4) الجماء، والأجمُّ: من لا رمح له في الحرب.
وروي: «ما ساء عمل قوم قطّ إلاّ زخرفوا مساجدهم كما زخرفت اليهود والنصارى بيعهم وكنائسهم». وروي: «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إليه أسواقها، ــ والذي حفظناه: «البقاع» بدل «البلاد» ــ والمساجد: سوق من أسواق الآخرة، وأهلها أضياف الله، وقِراهم فيها المغفرة، وتحفتهم الجنّة، فإذا