التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ١ · صفحة ١٨٢

الباب الحادي والعشرون

في تهذيب النفس وتقويمها

قال الله سبحانه: ﴿وَالذِينَ تّوَفَّاهُمْ المَلاّئِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ الآية (سورة النحل: 32)، ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (سورة الزمر: 73)، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةٍ فِي جَنَّةِ عّدْنٍ﴾ (سورة التوبة: 72)، فلا يسكنها إلاّ طيّب، لأنّ المصرّ أصرّ على خبث، فالعبد مطالب بأوصاف العبودية، كالتواضع والخوف والحذر، فإذا اتّصف بها [73] سلم من أوصاف الفراعنة والبهائم والجبابرة، كالكِبْر والخداع والمكر وكثرة الأكل والوِقاع، وخلص من مشابهتهم وصار إلى مقامات القرب، وأوصاف الروحانيين.

والطريق إلى هذا أن يملك العبد نفسه، فإن لم يملكها ملكته، فإذا أراد أن يقوى عليها ضعّفها بقطع أسباب هواها، وحبس مواد شهواتها، وإلاّ قويت عليه وصرعته.

فأوّل الملكة لها أن يحاسبها كلّ وقت، يراقب مطلوبها كلّ حين، ويقف عند كلّ همّ لها، فإن كان بالطاعة بادر إليه، وإن كان في غيرها أعرض عنه، فإنّ البركة في العمر القصير أن يدرك به من الفوز ما فات أهل الطويل، فخطرة من ذاكر بتسبيح ونحوه أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين.

وكلّ ليلة للعارف -قيل- كليلة القدر، فينبغي للعبد أن يتفكّر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (سورة النساء: 1) وأمثاله، فإذا تحقّق له (65) ذلك استفاد مقام المراقبة، وهو شريف أصله علم وحال، ثمّ يثمر حالين، أمّا العلم فهو معرفة أنّ الله سبحانه مطّلع عليه ناظر إليه، يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كلّ ما يخطر على باله، وأمّا الحال فهو ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصلا أثمرا عند أصحاب اليمين

١٧٤ / ٣٬٥٨٥