التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

الباب الثاني والعشرون

في الخواطر والوسواس والدلالة على طريق الاستقامة

قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجَورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس: 7)، وهما -قيل- التوفيق والخذلان، لأنّه خلق التقوى في المؤمن، والفجور في الكافر، فسعدت نفس زكّاها وأصلحها، وخابت نفس أضلّها وأهلكها.

وكلّ قلب جمعت فيه ثلاث معان لم يفارقه خاطر اليقين، ولكن يضعف ويخفى لضعفها ودقّتها ويقوى اليقين وتظهر قوّته، لأنّ الثلاثة مكانه: أحدها الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار، الثاني العلم، ومكان موضعه الزنادة، والثالث العقل، وهو مكان الضياء والاِقتباس؛ فإذا اجتمعت الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب، ومثل القلب في قوّة مدده مثل المصباح في القنديل، فالماء مكان العقل، والزيت موضع العلم وهو روح المصباح، وبمدده يظهر اليقين، والفتيلة مكان الإيمان منه وهي أصله وقوامه الذي يظهر بها، فعلى قدر قوّة الفتيلة وجودتها يقوى اليقين، ومثل الإيمان في قوّته بالورع وكماله بالخوف، وعلى قدر صفاء الزيت ورقّته واتّساعه تضيء النار التي هي اليقين؛ ومثل العلم في مدد الزهد وفقد الهوى، فصار العلم مكانا للتوحيد، فتمكّن الموحّد فيه على قدر المكان.

وقد قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلاَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (سورة محمد: 19)، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ الآية (سورة هود: 14)، فقدّم العلم على التوحيد، فكلّما اتّسع القلب بالعلم بالله سبحانه وزهد ازداد إيمانا وعلا، لأنّه يرى في علوّه ما لا يراه غيره ويعلم في اتّساعه ما لا يعلمه سواه فيكون زيادة في إيمانه ثمّ يشاهد (69) كلّ ما آمن به فيكون قوّة (70) يقينيه وسعة مشاهدته، فكلّما قصر علم القلب بالله -عزّ وعلا-

١٧٧ / ٣٬٥٨٥