التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

حسرة الأمور الماضية، وتدبير الآتية، تذهب ببركة الساعات))، ولا يُؤمن على من لم يرض بالقضاء من سخط المولى؛ ويكفي في المصائب والشدائد (76) الصبر، فإنّه الموصل إلى العبادة وحصول المقصود، فإنّ أساسها بني على الصبر واحتمال المشقّة فإنّ النفس لا تنقاد إلى العبادة إلاّ بقمع الهوى ومخالفتها وذلك من أشدّ الأمور على الإنسان، فطالب الآخرة أشدّ بلاء ومحنة.

ويروى: ((أشدّ بلاءً الأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الشهداء ثمّ الأمثل فالأمثل))، فالنجاة والخير في الصبر، والقضاء نافذ لا محالة، ولا يصرفه الهمّ ولا السخط، فإنّ من لم يصبر على المصيبة وقع فيها، ففي تركه مصيبتان: فوات الشيء، وفوات الأجر، وحلول المكروه.

وقيل: حرمان الصبر أشدّ من المصيبة.

وروي: إنّ من أُصيب وقال: «إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهمّ أجرني في مصيبتي، وعوّض لي ما هو خير منها»، عوّض له ما هو خير منه؛ قالتها أمّ سلمة عند موت زوجها أبي سلمة فعُوّضت خير (77) الأولين والآخرين.

وقد ورد الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، لجلالة موقعه في الدين. وقيل: كلّ الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبع مائة إلاّ الصبر، فإنّه لا يُحصى أجره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة الزمر: 10)، وذكر تعالى لهم ثمانية أنواع من الكرامات: المحبّة لقوله تعالى: ﴿والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 146)، والنصرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة الأنفال: 46)، وغرفات الجنّة لقوله: ﴿يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾، والأجر الجزيل كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ الآية، والأربعة الأخرى هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ إلى ﴿المُهْتَدُون﴾ (سورة البقرة: 155). فمنها البشارة والصلاة والرحمة والهداية.

١٨٤ / ٣٬٥٨٥