التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ١ · صفحة ١٩١

والتوكّل هو الطمأنينة بما وعد الله، ﴿ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (سورة الطلاق: 3).

وقيل: إنّ الرزق مضمون ومقسوم ومملوك وموعود، فالمضمون كفاية الغِذاء وما به قوام الجسم، لأنّ الله سيّدنا ونحن عبيده، والمقسوم هو ما قسم في اللوح المحفوظ ممّا يأكله العبد ويشربه، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتقدّم ولا يتأخّر، والمملوك ما يملكه الإنسان حسبما قُدر له، والموعود ما وعده الله للمتّقين، والتوكّل أيضا انقطاع القلب إلى الله والإياس من غيره، وأن توطّن قلبك على أنّه تعالى سدّ خلّتك، وكفاك عمّن سواه، ولكن إمّا بسبب أو بغيره، فمن كان هكذا فهو متوكّل.

ورجّح قوم التوكّل، وآخرون الاكتساب، وثالثها الاختلاف باختلاف الناس، وهو المختار. فمن كان في توكّله لا يستشرف إلى ما في [78] أيدي الخلق، فالتوكّل له أفضل، ومن كان بعكسه، فالاكتساب له أفضل، ومن ثمّ قيل: إرادة التجريد مع داعية الأسباب شهوة خفيّة، وسلوك الأسباب مع داعية التجريد انحطاط عن الذروة العليّة.

وقد يأتي الشيطان بإطراح جانب الله تعالى في صورة الأسباب، وبالكسل والتماهن في صورة التوكّل؛ والموفَّق يبحث عن هذين الأمرين، ويعلم أنّه لا يكون إلاّ ما يريد (75) الله، ويكفي في الأخطار والمخاوف التفويض إلى الله سبحانه، لأنّ العبد إذا حضرته أموره الخطرة المبهمة وفوّض أمرها إلى الله سبحانه، علم أنّه لا يقع إلاّ في صلاح وخير، فيكون آمنا من الخطر، فإذا فكّر في العواقب، وجد كم من شرّ في صورة خير، وبالعكس.

والجاهل إذا أخذ في الأمور باختياره هلك وهو لا يشعر.

وضدّ التفويض الطمع، وهو في غير الله لا يجوز فإنّه فقير حاضر، وقيل هلاك الدين أو فساده الطمع وملاكه الورع. ويكفي في القضاء وورود أنواعه الرضى به، لأنّ من لم يرض به كان مهموما، مشغول القلب عن العبادة، فليس للعبد إلاّ قلب واحد، فإذا ملأه بهمّ الدنيا لم يبق فيه موضع للذكر؛ ولقد صدق من قال: ((إنّ

١٨٣ / ٣٬٥٨٥