التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

الباب الرابع والعشرون

فيما تستقيم به العبادة

وإنّما تستقيم للعبد باستشعار الخوف والرجاء، فالنفس كما علمت ميّالة للشرّ، لا تنزجر إلاّ بالتخويف البليغ قولا وفعلا وفكرا وذكرا، وتعرف ضروب الأخطار.

والرجاء يجب على العبد تذكّره ليبعثه على الطاعات لثقل فعل الخير وزجر الشيطان عنه ودعاء الهوى إلى خلافه. والرجاء يقوّي على الطاعات ويهوّن احتمال الشدائد والمشقّات، فإنّ من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ولم يبال بما يلقى دونه؛ فمن ذكر الجنّة وأنواع نعيمها هان عليه ما احتمل من التعب، فإذا كان مدار العبادة على الطاعة والانتهاء عن المعصية لا يتمّ إلاّ بترغيب وترهيب، وخوف ورجاء، فلابدّ من قائد للنفس يقودها بحبل الرجاء، وسائق يسوقها بسوط الخوف لتستقيم للسير وتهتدي للطريق.

وموجب الرجاء في رحمة الله ذكر ما أنعم الله به على عباده من صنوف النعم تفضّلا منه عليهم، ابتداء من غير تقدّم طاعة ولا سابق عبادة، وذكر ما وعدهم به من جزيل ثوابه وعظيم كرامته مع قليل من عملهم وحقيره.

فعلى العبد أن لا ييأس من رحمة الله، ولا يأمن من عذابه، ويكون بين الرجاء والخوف، وهو الطريق المستقيم والباعث على الخوف ما علم من إبليس اللعين وما عبد الله تعالى -فيما قيل- وأبى من أمر واحد أُمر به، وما علم من أبينا آدم وحواء (79)، وقد خلقه الله تعالى واصطفاه وأباح له كلّ ما في الجنّة إلاّ شجرة واحدة نُهي عنها، وخالف فأُهبط منها وبكى مائتي سنة.

وما حُكي عن نوح وإبراهيم وداوود وموسى ويونس وسليمان -عليهم السلام-، وما حكي عن بلعام بن بعورا وغيرهم لولا سابقة الخير لأنبيائه وأصفيائه؛ فإذا كان الأنبياء والأصفياء مؤاخذين على قليل من الذنوب فكيف بنا أهل الأوزار

١٨٦ / ٣٬٥٨٥